سيد قطب
2722
في ظلال القرآن
« مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . . فلتقر القلوب الراجية في لقاء اللّه ولتطمئن ؛ ولتنتظر ما وعدها اللّه إياه ، انتظار الواثق المستيقن ؛ ولتتطلع إلى يوم اللقاء في شوق ولكن في يقين . والتعبير يصور هذه القلوب المتطلعة إلى لقاء اللّه صورة موحية . صورة الراجي المشتاق ، الموصول بما هناك . ويجيب على التطلع بالتوكيد المريح . ويعقب عليه بالطمأنينة الندية ، يدخلها في تلك القلوب . فإن اللّه يسمع لها ، ويعلم تطلعها : « وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . والإيقاع الرابع يواجه القلوب التي تحتمل تكاليف الإيمان ، ومشاق الجهاد ، بأنها إنما تجاهد لنفسها ولخيرها ولاستكمال فضائلها ، ولإصلاح أمرها وحياتها ؛ وإلا فما باللّه من حاجة إلى أحد ، وإنه لغني عن كل أحد : « وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ » . . فإذا كتب اللّه على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لتثبت على احتمال المشاق ، فإنما ذلك لإصلاحهم ، وتكميلهم ، وتحقيق الخير لهم في الدنيا والآخرة . والجهاد يصلح من نفس المجاهد وقلبه ؛ ويرفع من تصوراته وآفاته ؛ ويستعلي به على الشح بالنفس والمال ، ويستجيش أفضل ما في كيانه من مزايا واستعدادات . وذلك كله قبل أن يتجاوز به شخصه إلى الجماعة المؤمنة ، وما يعود عليها من صلاح حالها ، واستقرار الحق بينها ، وغلبة الخير فيها على الشر ، والصلاح فيها على الفساد . « وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ » . فلا يقفن أحد في وسط الطريق ، وقد مضى في الجهاد شوطا ؛ يطلب من اللّه ثمن جهاده ؛ ويمن عليه وعلى دعوته ، ويستبطئ المكافأة على ما ناله ! فإن اللّه لا يناله من جهاده شيء . وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل : « إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ » . وإنما هو فضل من اللّه أن يعينه في جهاده ، وأن يستخلفه في الأرض به ، وأن يأجره في الآخرة بثوابه : « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ » . فليطمئن المؤمنون العاملون على ما لهم عند اللّه ، من تكفير للسيئات ، وجزاء على الحسنات . وليصبروا على تكاليف الجهاد ؛ وليثبتوا على الفتنة والابتلاء ؛ فالأمل المشرق والجزاء الطيب ، ينتظرانهم في نهاية المطاف . وإنه لحسب المؤمن حتى لو فاته في الحياة الانتصاف . ثم يجيء إلى لون من ألوان الفتنة أشرنا إليه في مطلع السورة : فتنة الأهل والأحباء . فيفصل في الموقف الدقيق بالقول الحازم الوسط ، لا إفراط فيه ولا تفريط : « وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً . وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ، إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ » . . إن الوالدين لأقرب الأقرباء . وإن لهما لفضلا ، وإن لهما لرحما ؛ وإن لهما لواجبا مفروضا : واجب الحب والكرامة والاحترام والكفالة . ولكن ليس لهما من طاعة في حق اللّه . وهذا هو الصراط : « وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً . وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما » . . إن الصلة في اللّه هي الصلة الأولى ، والرابطة في اللّه هي العروة الوثقى . فإن كان الوالدان مشركين فلهما الإحسان