سيد قطب
2716
في ظلال القرآن
مختلفان ، ومنهاجهما مختلفان . أولئك حزب اللّه ، وهؤلاء حزب الشيطان . فعلام يتعاونان ؟ وفيم يتعاونان ؟ « وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ » . . فطريق الكفار دائما أن يصدوا أصحاب الدعوة عن دعوتهم بشتى الطرق والوسائل . وطريق المؤمنين أن يمضوا في طريقهم لا يلويهم عنها المعوقون ، ولا يصدهم عنها أعداؤهم . وبين أيديهم آيات اللّه ، وهم عليها مؤتمنون . « وَادْعُ إِلى رَبِّكَ » . . دعوة خالصة واضحة لا لبس فيها ولا غموض . دعوة إلى اللّه لا لقومية ولا لعصبية ، ولا لأرض ولا لراية . ولا لمصلحة ولا لمغنم ، ولا لتمليق هوى ، ولا لتحقيق شهوة . ومن شاء أن يتبع هذه الدعوة على تجردها فليتبعها ، ومن أراد غيرها معها فليس هذا هو الطريق . « وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ » يؤكد هذه القاعدة مرتين بالنهي عن الشرك والنهي عن اتخاذ إله آخر مع اللّه . ذلك أنها مفرق الطريق في العقيدة بين النصاعة والغموض . وعلى هذه القاعدة يقوم بناء هذه العقيدة كلها ، وآدابها وأخلاقها وتكاليفها وتشريعاتها جميعا . وهي المحور الذي يلتف عليه كل توجيه وكل تشريع . ومن ثم هي تذكر قبل كل توجيه وقبل كل تشريع . ثم يمضي في التوكيد والتقرير : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » . . « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » . . « لَهُ الْحُكْمُ » . . « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . . « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » . . فلا إسلام إلا للّه ، ولا عبودية إلا له ، ولا قوة إلا قوته ، ولا ملاذ إلا حماه . « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » . . فكل شيء زائل . وكل شيء ذاهب . المال والجاه . والسلطان والقوة . والحياة والمتاع . وهذه الأرض ومن عليها . وتلك السماوات وما فيها ومن فيها . وهذا الكون كله ما نعلمه منه وما نجهله . . كله . كله . هالك فلا يبقى إلا وجه اللّه الباقي . متفردا بالبقاء . « لَهُ الْحُكْمُ » . . يقضي بما يشاء ويحكم كما يشاء ، لا يشركه في حكمه أحد ، ولا يرد قضاءه أحد ، ولا يقف لأمره أمر . وما يشاؤه فهو الكائن دون سواه . « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . . فلا مناص من حكمه ، ولا مفر من قضائه ، ولا ملجأ دونه ولا مهرب . وهكذا تختم السورة التي تتجلى فيها يد القدرة سافرة ، تحرس الدعوة إلى اللّه وتحميها ، وتدمر القوى الطاغية الباغية وتمحوها . تختم بتقرير قاعدة الدعوة : وحدانية اللّه سبحانه وتفرده بالألوهية والبقاء والحكم والقضاء . ليمضي أصحاب الدعوات في طريقهم على هدى ، وعلى ثقة ، وعلى طمأنينة ، وفي يقين . .