سيد قطب
2710
في ظلال القرآن
مضت مطالع السورة بقصة موسى وفرعون ، وقد عرضت فيها قوة السلطان والحكم ، وكيف باءت بالبوار مع البغي والظلم ، والكفران باللّه ، والبعد عن هداه . والآن تجيء قصة قارون لتعرض سلطان المال والعلم ، وكيف ينتهي بالبوار مع البغي والبطر ، والاستكبار على الخلق وجحود نعمة الخالق . وتقرر حقيقة القيم ، فترخص من قيمة المال والزينة إلى جانب قيمة الإيمان والصلاح ؛ مع الاعتدال والتوازن في الاستمتاع بطيبات الحياة دون علو في الأرض ولا فساد . ولا يحدد القرآن زمان القصة ولا مكانها ؛ إنما يكتفي بأن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم . فهل وقعت هذه القصة وبنو إسرائيل وموسى في مصر قبل الخروج ؟ أم وقعت بعد الخروج في حياة موسى ؟ أم وقعت في بني إسرائيل من بعد موسى ؟ هناك روايات تقول : إنه كان ابن عم لموسى - عليه السّلام - وأن الحادث وقع في زمان موسى . ويزيد بعضها فيذكر أن قارون آذى موسى ، ودبر له مكيدة ليلصق به تهمة الفاحشة بامرأة معينة في مقابل رشوة من المال ، فبرأ اللّه موسى وأذن له في قارون ، فخسفت به الأرض . . ولسنا في حاجة إلى كل هذه الروايات ، ولا إلى تحديد الزمان والمكان . فالقصة كما وردت في القرآن كافية لأداء الغرض منها في سياق السورة ، ولتقرير القيم والقواعد التي جاءت لتقريرها . ولو كان تحديد زمانها ومكانها وملابساتها يزيد في دلالتها شيئا ما ترك تحديدها . فلنستعرضها إذن في صورتها القرآنية ، بعيدة عن تلك الروايات التي لا طائل وراءها . . « إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ ؛ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ . إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ : لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ . وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ، وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ، وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . قالَ : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي » . . هكذا تبدأ القصة فتعين اسم بطلها « قارون » وتحدد قومه « قَوْمِ مُوسى » وتقرر مسلكه مع قومه ، وهو مسلك البغي « فَبَغى عَلَيْهِمْ » وتشير إلى سبب هذا البغي وهو الثراء . « وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ » . . ثم تمضي بعد ذلك في استعراض الأحداث والأقوال والانفعالات التي صاحبتها في النفوس . لقد كان قارون من قوم موسى ، فآتاه اللّه مالا كثيرا ، يصور كثرته بأنه كنوز - والكنز هو المخبوء المدخر من