سيد قطب

2701

في ظلال القرآن

الذي آمنت به ما يصيبها من أذى وتطاول من الجهلاء ، وتصبر على الحق في وجه الأهواء ووجه الإيذاء . « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ » . . وهذه إحدى الآيات على صحته ، فالكتاب كله من عند اللّه ، فهو متطابق ، من أوتي أوله عرف الحق في آخره ، فاطمأن له ، وآمن به ، وعلم أنه من عند اللّه الذي نزل الكتاب كله . « وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا : آمَنَّا بِهِ . إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا . إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ » . . فهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أكثر من تلاوته فيعرف الذين عرفوا الحق من قبل أنه من ذلك المعين ، وأنه صادر من ذلك المصدر الواحد الذي لا يكذب . « إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا » . . « إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ » . والإسلام للّه هو دين المؤمنين بكل دين . هؤلاء الذين أسلموا للّه من قبل ، ثم صدقوا بالقرآن بمجرد سماعه : « أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا » . . الصبر على الإسلام الخالص . إسلام القلب والوجه . ومغالبة الهوى والشهوة . والاستقامة على الدين في الأولى والآخرة . أولئك يؤتون أجرهم مرتين ، جزاء على ذلك الصبر ، وهو عسير على النفوس ، وأعسر الصبر ما كان على الهوى والشهوة والالتواء والانحراف . وهؤلاء صبروا عليها جميعا ، وصبروا على السخرية والإيذاء كما سبقت الرواية ، وكما يقع دائما للمستقيمين على دينهم في المجتمعات المنحرفة الضالة الجاهلة في كل زمان ومكان : « وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ » . . وهذا هو الصبر كذلك . وهو أشد مئونة من مجرد الصبر على الإيذاء والسخرية . إنه الاستعلاء على كبرياء النفس ، ورغبتها في دفع السخرية ، ورد الأذى ، والشفاء من الغيظ ، والبرد بالانتقام ! ثم درجة أخرى بعد ذلك كله . درجة السماحة الراضية . التي ترد القبيح بالجميل وتقابل الجاهل الساخر بالطمأنينة والهدوء وبالرحمة والإحسان ؛ وهو أفق من العظمة لا يبلغه إلا المؤمنون الذين يعاملون اللّه فيرضاهم ويرضونه ، فيلقون ما يلقون من الناس راضين مطمئنين . « وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » . . وكأنما أراد أن يذكر سماحة نفوسهم بالمال ، عقب ذكره لسماحة نفوسهم بالإحسان . فهما من منبع واحد : منبع الاستعلاء على شهوة النفس ، والاعتزاز بما هو أكبر من قيم الأرض . الأولى في النفس ، والثانية في المال . وكثيرا ما يردان متلازمين في القرآن . وصفة أخرى من صفة النفوس المؤمنة الصابرة على الإسلام الخالصة للعقيدة : « وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ، وَقالُوا : لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ . سَلامٌ عَلَيْكُمْ . لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ » . . واللغو فارغ الحديث ، الذي لا طائل تحته ، ولا حاصل وراءه . وهو الهذر الذي يقتل الوقت دون أن يضيف إلى القلب أو العقل زادا جديدا ، ولا معرفة مفيدة . وهو البذيء من القول الذي يفسد الحس واللسان ، سواء : أوجه إلى مخاطب أم حكي عن غائب . والقلوب المؤمنة لا تلغو ذلك اللغو ، ولا تستمع إلى ذاك الهذر ، ولا تعنى بهذا البذاء . فهي مشغولة بتكاليف الإيمان ، مرتفعة بأشواقه ، متطهرة بنوره : « وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ » . .