سيد قطب
2690
في ظلال القرآن
الحلقة . ألقت به في اليم ليلتقطه آل فرعون . وألقت عليه المحبة في قلب امرأته لينشأ في كنف عدوه . ودخلت به المدينة على حين غفلة من أهلها ليقتل منهم نفسا . وأرسلت إليه بالرجل المؤمن من آل فرعون ليحذره وينصحه بالخروج منها . وصاحبته في الطريق الصحراوي من مصر إلى مدين وهو وحيد مطارد على غير زاد ولا استعداد . وجمعته بالشيخ الكبير ليأجره هذه السنوات العشر . ثم ليعود بعدها فيتلقى التكليف . . هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه ، ومن التلقي والتجريب ، قبل النداء وقبل التكليف . . تجربة الرعاية والحب والتدليل . وتجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس ، وتجربة الندم والتحرج والاستغفار . وتجربة الخوف والمطاردة والفزع . وتجربة الغربة والوحدة والجوع . وتجربة الخدمة ورعي الغنم بعد حياة القصور . وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من شتى التجارب الصغيرة ، والمشاعر المتباينة ، والخوالج والخواطر ، والإدراك والمعرفة . . إلى جانب ما آتاه اللّه حين بلغ أشده من العلم والحكمة . إن الرسالة تكليف ضخم شاق متعدد الجوانب والتبعات ؛ يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة والتذوق في واقع الحياة العملي ، إلى جانب هبة اللّه اللدنية ، ووحيه وتوجيهه للقلب والضمير . ورسالة موسى بالذات قد تكون أضخم تكليف تلقاه بشر - عدا رسالة محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر ، أعتى ملوك الأرض في زمانه ، وأقدمهم عرشا ، وأثبتهم ملكا ، وأعرقهم حضارة ، وأشدهم تعبدا للخلق واستعلاء في الأرض . وهو مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كئوس الذل حتى استمرءوا مذاقه ، فمردوا عليه واستكانوا دهرا طويلا . والذل يفسد الفطرة البشرية حتى تأسن وتتعفن ؛ ويذهب بما فيها من الخير والجمال والتطلع ومن الاشمئزاز من العفن والنتن والرجس والدنس . فاستنقاذ قوم كهؤلاء عمل شاق عسير . وهو مرسل إلى قوم لهم عقيدة قديمة ؛ انحرفوا عنها ، وفسدت صورتها في قلوبهم . فلا هي قلوب خامة تتقبل العقيدة الجديدة ببراءة وسلامة ؛ ولا هي باقية على عقيدتها القديمة . ومعالجة مثل هذه القلوب شاقة عسيرة . والالتواءات فيها والرواسب والانحرافات تزيد المهمة مشقة وعسرا . وهو في اختصار مرسل لإعادة بناء أمة ، بل لإنشائها من الأساس . فلأول مرة يصبح بنو إسرائيل شعبا مستقلا ، له حياة خاصة ، تحكمها رسالة . وإنشاء الأمم عمل ضخم شاق عسير . ولعله لهذا المعنى كانت عناية القرآن الكريم بهذه القصة ، فهي نموذج كامل لبناء أمة على أساس دعوة ، وما يعترض هذا العمل من عقبات خارجية وداخلية . وما يعتوره من انحرافات وانطباعات وتجارب وعراقيل . فأما تجربة السنوات العشر فقد جاءت لتفصل بين حياة القصور التي نشأ فيها موسى - عليه السّلام - وحياة الجهد الشاق في الدعوة وتكاليفها العسيرة . إن لحياة القصور جوا خاصا ، وتقاليد خاصة ، وظلالا خاصة تلقيها على النفس وتطبعها بها مهما تكن هذه النفس من المعرفة والإدراك والشفافية . والرسالة معاناة لجماهير من الناس فيهم الغني والفقير ، والواجد والمحروم ، وفيهم النظيف والوسخ ، والمهذب والخشن ؛ وفيهم الطيب والخبيث والخير والشرير . وفيهم القوي والضعيف ، والصابر والجزوع . . وفيهم وفيهم . . وللفقراء عادات خاصة في أكلهم وشربهم ولبسهم ومشيهم ، وطريقة فهمهم للأمور ، وطريقة تصورهم للحياة ، وطريقة حديثهم وحركتهم ، وطريقة تعبيرهم عن مشاعرهم . . وهذه العادات تثقل على نفوس المنعمين ومشاعر الذين تربوا في القصور ؛ ولا يكادون يطيقون رؤيتها فضلا على معاناتها وعلاجها ، مهما تكن قلوب هؤلاء الفقراء عامرة بالخير مستعدة للصلاح ، لأن مظهرهم وطبيعة