سيد قطب

2675

في ظلال القرآن

أبصارهم على آيات اللّه المبثوثة في مشاهد الكون تارة ، وفي مصارع الغابرين تارة ، وفي مشاهد القيامة تارة . . وكلها تؤكد العبر المستفادة من القصص ، وتساوقها وتتناسق معها ؛ وتؤكد سنة اللّه التي لا تتخلف ولا تتبدل على مدار الزمان . وقد قال المشركون لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا » . فاعتذروا عن عدم اتباعهم الهدى بخوفهم من تخطف الناس لهم ، لو تحولوا عن عقائدهم القديمة التي من أجلها يخضع الناس لهم ، ويعظمون البيت الحرام ويدينون للقائمين عليه . فساق اللّه إليهم في هذه السورة قصة موسى وفرعون ، تبين لهم أين يكون الأمن وأين تكون المخافة ؛ وتعلمهم أن الأمن إنما يكون في جوار اللّه ، ولو فقدت كل أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس ؛ وأن الخوف إنما يكون في البعد عن ذلك الجوار ولو تظاهرت أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس ! وساق لهم قصة قارون تقرر هذه الحقيقة في صورة أخرى وتؤكدها . وعقب على مقالتهم « أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا ؟ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ » . . يذكرهم بأنه هو الذي آمنهم من الخوف فهو الذي جعل لهم هذا الحرم الآمن ؛ وهو الذي يديم عليهم أمنهم ، أو يسلبهم إياه ؛ ومضى ينذرهم عاقبة البطر وعدم الشكر : « وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ، وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ » . ويخوفهم عاقبة أمرهم بعد أن أعذر إليهم وأرسل فيهم رسولا . وقد مضت سنة اللّه من قبل بإهلاك المكذبين بعد مجيء النذير : « وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ، وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ » . ثم يعرض عليهم مشهدهم يوم القيامة حين يتخلى عنهم الشركاء على رؤوس الأشهاد ؛ فيبصرهم بعذاب الآخرة بعد أن حذرهم عذاب الدنيا ؛ وبعد أن علمهم أين يكون الخوف وأين يكون الأمان . وتنتهي السورة بوعد من اللّه لرسوله الكريم وهو مخرج من مكة مطارد من المشركين بأن الذي فرض عليه القرآن لينهض بتكاليفه ، لا بد رادّه إلى بلده ، ناصره على الشرك وأهله . وقد أنعم عليه بالرسالة ولم يكن يتطلع إليها ؛ وسينعم عليه بالنصر والعودة إلى البلد الذي أخرجه منه المشركون . سيعود آمنا ظافرا مؤيدا . وفي قصص السورة ما يضمن هذا ويؤكده . فقد عاد موسى - عليه السّلام - إلى البلد الذي خرج منه خائفا طريدا . عاد فأخرج معه بني إسرائيل واستنقذهم ، وهلك فرعون وجنوده على أيدي موسى وقومه الناجين . . ويختم هذا الوعد ويختم السورة معه بالإيقاع الأخير : « وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ، لَهُ الْحُكْمُ ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . هذا هو موضوع السورة وجوها وظلالها العامة ، فلنأخذ في تفصيل أشواطها الأربعة : قصة موسى . والتعقيب عليها . وقصة قارون . وهذا الوعد الأخير . . تبدأ السورة بالأحرف المقطعة : « طا . سين . ميم . . تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ » . . تبدأ السورة بهذه الأحرف للتنبيه إلى أنه من مثلها تتألف آيات الكتاب المبين ، البعيدة الرتبة ، المتباعدة المدى بالقياس لما يتألف عادة من هذه الأحرف ، في لغة البشر الفانين : « تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ » . .