سيد قطب
2669
في ظلال القرآن
يتناسق مع ظل الفزع ، ويتجلى الفزع فيه ؛ وكأنما الجبال مذعورة مع المذعورين ، مفزوعة مع المفزوعين ، هائمة مع الهائمين الحائرين المنطلقين بلا وجهة ولا قرار ! « صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ » . سبحانه ! يتجلى إتقان صنعته في كل شيء في هذا الوجود . فلا فلتة ولا مصادفة ، ولا ثغرة ولا نقص ، ولا تفاوت ولا نسيان . ويتدبر المتدبر كل آثار الصنعة المعجزة ، فلا يعثر على خلة واحدة متروكة بلا تقدير ولا حساب . في الصغير والكبير ، والجليل والحقير . فكل شيء بتدبير وتقدير ، يدبر الرؤوس التي تتابعه وتتملاه « 1 » . « إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ » . . وهذا يوم الحساب عما تفعلون . قدره اللّه الذي اتقن كل شيء . وجاء به في موعده لا يستقدم ساعة ولا يستأخر ؛ ليؤدي دوره في سنة الخلق عن حكمة وتدبير ؛ وليحقق التناسق بين العمل والجزاء في الحياتين المتصلتين المتكاملتين ، « صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ . إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ » . في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا ، فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها . وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ » . والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء . وما بعده فضل من اللّه ومنة . ولقد خافوا اللّه في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة . بل أمنهم يوم يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه . « وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ » . . وهو مشهد مفزع . وهم يكبون في النار على وجوههم . ويزيد عليهم التبكيت والتوبيخ ! « هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ » . . فقد تنكبوا الهدى ، وأشاحوا عنه بوجوههم ؛ فهم يجزون به كبا لهذه الوجوه في النار وقد أعرضت من قبل عن الحق الواضح وضوح الليل والنهار . وفي النهاية تجيء الإيقاعات الأخيرة : حيث يلخص الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - دعوته ومنهجه في الدعوة ؛ ويكلهم إلى مصيرهم الذي يرتضونه لأنفسهم بعد ما مضى من بيان ؛ ويختم بحمد اللّه كما بدأ ، ويدعهم إلى اللّه يكشف لهم آياته ، ويحاسبهم على ما يعملون : « إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ، وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ ، فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ : إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ . وَقُلِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها . وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » . . وهم كانوا يدينون بحرمة البلدة الحرام والبيت الحرام ؛ وكانوا يستمدون سيادتهم على العرب من عقيدة تحريم البيت ؛ ثم لا يوحدون اللّه الذي حرمه وأقام حياتهم كلها عليه . فالرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - يقوّم العقيدة كما ينبغي أن تقوّم ، فيعلن أنه مأمور أن يعبد رب هذه البلدة
--> ( 1 ) يراجع تفسير قوله تعالى : « وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » في سورة الفرقان . الجزء التاسع عشر .