سيد قطب

2647

في ظلال القرآن

هذه الحلقة القصيرة من قصة لوط تجيء مختصرة ، تبرز همّ قوم لوط بإخراجه ، لأنه أنكر عليهم الفاحشة الشاذة التي كانوا يأتونها عن إجماع واتفاق وتعارف وعلانية . فاحشة الشذوذ الجنسي بإتيان الرجال ، وترك النساء ، على غير الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها . بل عامة الأحياء . وهي ظاهرة غريبة في تاريخ الجماعات البشرية . فقد يشذ أفراد ، لأسباب مرضية نفسية أو لملابسات وقتية ؛ فيميل الذكور لإتيان الذكور ؛ وأكثر ما يكون هذا في معسكرات الجنود حيث لا يوجد النساء ، أو في السجون التي يقيم فيها المسجونون فترات طويلة معرضين لضغط الميل الجنسي ، محرومين من الاتصال بالنساء . . أما أن يشيع هذا الشذوذ فيصبح هو القاعدة في بلد بأسره ، مع وجود النساء وتيسر الزواج ، فهذا هو الحادث الغريب حقا في تاريخ الجماعات البشرية ! لقد جعل اللّه من الفطرة ميل الجنس إلى الجنس الآخر ، لأنه جعل الحياة كلها تقوم على قاعدة التزاوج . فقال : « سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ، وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ » . فجعل الأحياء كلها أزواجا سواء نبات الأرض والأنفس وما لا يعلمه الناس في شتى المخلوقات . والتزاوج يبدو أصيلا في بناء الكون كله - فضلا على الأحياء - فالذرة ذاتها مؤلفة من كهارب والكترونات . أي من كهربائية إيجابية وأخرى سلبية . وهي وحدة الكائنات المكرورة فيها جميعا كما يبدو حتى الآن . وعلى أية حال فالحقيقة المضمونة أن الأحياء كلها تقوم على قاعدة التزاوج . حتى التي لا يوجد لها من جنسها ذكر وأنثى تجتمع خلايا التذكير والتأنيث في آحادها ، وتتكاثر بهذا الاجتماع . ولما كان التزاوج هو قاعدة الحياة في ناموس الخلق ، فقد جعل اللّه التجاذب بين الزوجين هو الفطرة ، التي لا تحتاج إلى تعليم ، ولا تتوقف على تفكير . وذلك كي تسير الحياة في طريقها بدافع الفطرة الأصيل . والأحياء يجدون لذتهم في تحقيق مطالب الفطرة . والقدرة المدبرة تحقق ما تشاؤه من وراء لذتهم المودعة في كيانهم بلا وعي منهم ولا توجيه من غيرهم . وقد جعل اللّه تركيب أعضاء الأنثى وأعضاء الذكر ، وميول هذا وتلك بحيث تحقق اللذة الفطرية من اجتماعهما . ولم يجعل هذا في أعضاء الذكرين وميولهما . ومن ثم يكون عجيبا أن تنحرف الفطرة انحرافا جماعيا كما حدث في قوم لوط ، بدون ضرورة دافعة إلى عكس اتجاه الفطرة المستقيم . وهكذا واجه لوط قومه بالاستنكار والعجب مما يفعلون ! « وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ : أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ؟ أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ ؟ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ » . . عجب في عبارته الأولى من إتيانهم هذه الفاحشة ، وهم يبصرون الحياة في جميع أنواعها وأجناسها تجري على نسق الفطرة ، وهم وحدهم الشواذ في وسط الحياة والأحياء . . وصرح في عبارته الثانية بطبيعة تلك الفاحشة . ومجرد الكشف عنها يكفي لإبراز شذوذها وغرابتها لمألوف البشرية ، ولمألوف الفطرة جميعا . ثم دمغهم بالجهل بمعنييه : الجهل بمعنى فقدان العلم . والجهل بمعنى السفه والحمق . وكلا المعنيين متحقق في هذا الانحراف البغيض . فالذي لا يعرف منطق الفطرة يجهل كل شيء ، ولا يعلم شيئا أصلا . والذي يميل هذا الميل عن الفطرة سفيه أحمق معتد على جميع الحقوق ! فما ذا كان جواب قوم لوط على هذا الاستنكار للانحراف ، وهذا التوجيه إلى وحي الفطرة السليمة ؟