سيد قطب

2638

في ظلال القرآن

وشخصية الهدهد ، وشخصية حاشية الملكة . كما تعرض الانفعالات النفسية لهذه الشخصيات في شتى مشاهد القصة ومواقفها . يبدأ المشهد الأول في مشهد العرض العسكري العام لسليمان وجنوده ، بعد ما أتوا على وادي النمل ، وبعد مقالة النملة ، وتوجه سليمان إلى ربه بالشكر والدعاء والإنابة : « وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ : ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ؟ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ؟ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ، أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ » . . فها هو ذا الملك النبي . سليمان . في موكبه الفخم الضخم . ها هو ذا يتفقد الطير فلا يجد الهدهد . ونفهم من هذا أنه هدهد خاص ، معين في نوبته في هذا العرض . وليس هدهدا ما من تلك الألوف أو الملايين التي تحويها الأرض من أمة الهداهد . كما ندرك من افتقاد سليمان لهذا الهدهد سمة من سمات شخصيته : سمة اليقظة والدقة والحزم . فهو لم يغفل عن غيبة جندي من هذا الحشر الضخم من الجن والإنس والطير ، الذي يجمع آخره على أوله كيلا يتفرق وينتكث . وهو يسأل عنه في صيغة مترفعة مرنة جامعة : « ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ؟ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ؟ » . ويتضح أنه غائب ، ويعلم الجميع من سؤال الملك عنه أنه غائب بغير إذن وحينئذ يتعين أن يؤخذ الأمر بالحزم ، كيلا تكون فوضى . فالأمر بعد سؤال الملك هذا السؤال لم يعد سرا . وإذا لم يؤخذ بالحزم كان سابقة سيئة لبقية الجند . ومن ثم نجد سليمان الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف : « لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ » . . ولكن سليمان ليس ملكا جبارا في الأرض ، إنما هو نبي . وهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب ، فلا ينبغي أن يقضي في شأنه قضاء نهائيا قبل أن يسمع منه ، ويتبين عذره . . ومن ثم تبرز سمة النبي العادل : « أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ » . أي حجة قوية توضح عذره ، وتنفي المؤاخذة عنه . ويسدل الستار على هذا المشهد الأول في القصة ( أو لعله كان ما يزال قائما ) ويحضر الهدهد . ومعه نبأ عظيم ، بل مفاجأة ضخمة لسليمان ، ولنا نحن الذين نشهد أحداث الرواية الآن ! « فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ : أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ ، وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ، وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ، فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ » . . إنه يعرف حزم الملك وشدته . فهو يبدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته ، وتضمن إصغاء الملك له : « أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ ، وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ » . . فأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول له : « أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ » ؟ ! فإذا ضمن إصغاء الملك بعد هذه المفاجأة أخذ في تفصيل النبأ اليقين الذي جاء به من سبأ - ومملكة سبأ تقع في جنوب الجزيرة باليمن - فذكر أنه وجدهم تحكمهم امرأة ، « أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ » وهي كناية عن عظمة ملكها وثرائها وتوافر أسباب الحضارة والقوة والمتاع . « وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ » . أي سرير ملك فخم ضخم ، يدل على الغنى والترف وارتقاء الصناعة . وذكر أنه وجد الملكة وقومها « يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ » وهنا يعلل ضلال القوم بأن الشيطان زين لهم أعمالهم ، فأضلهم ، فهم لا يهتدون إلى عبادة اللّه العليم الخبير « الَّذِي يُخْرِجُ