سيد قطب
1922
في ظلال القرآن
« قالُوا : يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ ، وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً ، وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ، وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ » . . فهم ضيقو الصدور بالحق الواضح ، لا يريدون أن يدركوه : « قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ » . . وهم يقيسون القيم في الحياة بمقياس القوة المادية الظاهرة : « وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً » . . فلا وزن عندهم للحقيقة القوية التي يحملها ويواجههم بها . « وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ » . . ففي حسابهم عصبية العشيرة ، لا عصبية الاعتقاد ، وصلة الدم لا صلة القلب . ثم هم يغفلون عن غيرة اللّه على أوليائه فلا يضعونها في الحساب . « وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ » . . لا عزة التقدير والكرامة ولا عزة الغلب والقهر . ولكننا نحسب حساب الأهل والعشيرة ! وحين تفرغ النفوس من العقيدة القويمة والقيم الرفيعة والمثل العالية ؛ فإنها تقبع على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا ؛ فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة ، ولا لحقيقة كبيرة ؛ ولا تتحرج عن البطش بالداعية إلا أن تكون له عصبة تؤويه ؛ وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه . أما حرمة العقيدة والحق والدعوة فلا وزن لها ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية . وعندئذ تأخذ شعيبا الغيرة على جلال ربه ووقاره ؛ فيتنصل من الاعتزاز برهطه وقومه ؛ ويجبههم بسوء التقدير لحقيقة القوى القائمة في هذا الوجود ، وبسوء الأدب مع اللّه المحيط بما يعملون . ويلقي كلمته الفاصلة الأخيرة . ويفاصل قومه على أساس العقيدة ، ويخلي بينهم وبين اللّه ، وينذرهم العذاب الذي ينتظر أمثالهم ، ويدعهم لمصيرهم الذي يختارون : « قالَ : يا قَوْمِ : أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا ؟ إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ ، سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ » . . « أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ؟ » . . أجماعة من البشر مهما يكونوا من القوة والمنعة فهم ناس ، وهم ضعاف ، وهم عباد من عباد اللّه . . أهؤلاء أعز عليكم من اللّه ؟ . . أهؤلاء أشد قوة ورهبة في نفوسكم من اللّه ؟ « وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا » . . وهي صورة حسية للترك والإعراض ، تزيد في شناعة فعلتهم ، وهم يتركون اللّه ويعرضون عنه ، وهم من خلقه ، وهو رازقهم وممتعهم بالخير الذي هم فيه . فهو البطر وجحود النعمة وقلة الحياء إلى جانب الكفر والتكذيب وسوء التقدير . « إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ » . .