سيد قطب
1840
في ظلال القرآن
والآية 114 واردة في سياق تسرية عن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بما كان من الاختلاف على موسى من قبل . وتوجيهه للاستقامة كما أمر هو ومن تاب معه ، وعدم الركون إلى الذين ظلموا ( أي أشركوا ) والاستعانة بالصلاة وبالصبر على مواجهة تلك الفترة العصيبة . . وتتوارد الآيات هكذا : « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ، وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ، وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 110 ) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ، إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 111 ) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا ، إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 112 ) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ، ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 113 ) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ، ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ( 114 ) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 115 ) » . . وواضح أن الآية قطعة من السياق المكي ، موضوعا وجوا وعبارة . . لقد نزلت السورة بجملتها بعد يونس . ونزلت يونس بعد الإسراء . وهذا يحدد معالم الفترة التي نزلت فيها ؛ وهي من أخرج الفترات وأشقها كما قلنا في تاريخ الدعوة بمكة . فقد سبقها موت أبي طالب وخديجة ؛ وجرأة المشركين على ما لم يكونوا ليجرءوا عليه في حياة أبي طالب - وخاصة بعد حادث الإسراء وغرابته ، واستهزاء المشركين به ، وارتداد بعض من كانوا أسلموا قبله - مع وحشة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من خديجة - رضي اللّه عنها - في الوقت الذي تجرأت فيه قريش عليه وعلى دعوته ؛ وبلغت الحرب المعلنة عليه وعلى دعوته أقسى وأقصى مداها ؛ وتجمدت حركة الدعوة حتى ما كاد يدخل في الإسلام أحد من مكة وما حولها . . وذلك قبيل أن يفتح اللّه على رسوله وعلى القلة المسلمة معه ببيعة العقبة الأولى ثم الثانية . . قال ابن إسحاق : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - المصائب بهلك خديجة - وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها - وبهلك عمه أبي طالب - وكان له عضدا وحرزا في أمره ، ومنعة وناصرا على قومه - وذلك قبل مهاجرته إلى المدينة بثلاث سنين . فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب ، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه ترابا . قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، قال : لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ذلك التراب ، دخل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بيته والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي . ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول لها : « لا تبكي يا بنية ، فإن اللّه مانع أباك » قال : ويقول بين ذلك : « ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب » . وقال المقريزي في إمتاع الأسماع : فعظمت المصيبة على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بموتهما وسماه « عام الحزن » وقال : « ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب » لأنه لم يكن في عشيرته وأعمامه حاميا له ولا ذابا عنه غيره . ففي هذه الفترة نزلت سورة هود ويونس قبلها ، وقبلهما سورة الإسراء وسورة الفرقان وكلها تحمل