سيد قطب
1901
في ظلال القرآن
وهكذا يتبين أن القضية بين هود وعاد كانت قضية ربوبية اللّه وحده لهم والدينونة للّه وحده من دون العباد . . كانت هي قضية الحاكمية والاتباع . . كانت هي قضية : من الرب الذي يدينون له ويتبعون أمره ؟ يتجلى هذا في قول اللّه تعالى : « وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ » . . فهي المعصية لأمر الرسل والاتباع لأمر الجبارين ! والإسلام هو طاعة امر الرسل - لأنه أمر اللّه - ومعصية أمر الجبارين . وهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية والإسلام وبين الكفر والإيمان . . في كل رسالة وعلى يد كل رسول . وهكذا يتبين أن دعوة التوحيد تصر أول ما تصر على التحرر من الدينونة لغير اللّه ؛ والتمرد على سلطان الأرباب الطغاة ؛ وتعد إلغاء الشخصية والتنازل عن الحرية ، واتباع الجبارين المتكبرين جريمة شرك وكفر يستحق عليها الخانعون الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة . . لقد خلق اللّه الناس ليكونوا أحرارا لا يدينون بالعبودية لأحد من خلقه ، ولا ينزلون عن حريتهم هذه لطاغية ولا رئيس ولا زعيم . فهذا مناط تكريمهم . فإن لم يصونوه فلا كرامة لهم عند اللّه ولا نجاة . وما يمكن لجماعة من البشر أن تدعي الكرامة ، وتدعي الإنسانية ، وهي تدين لغير اللّه من عباده . والذين يقبلون الدينونة لربوبية العبيد وحاكميتهم ليسوا بمعذورين أن يكونوا على أمرهم مغلوبين . فهم كثرة والمتجبرون قلة . ولو أرادوا التحرر لضحوا في سبيله بعض ما يضحونه مرغمين للأرباب المتسلطين من ضرائب الذل في النفس والعرض والمال . لقد هلكت عاد لأنهم اتبعوا أمر كل جبار عنيد . . هلكوا مشيعين باللعنة في الدنيا وفي الآخرة : « وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ » . . ثم لا يتركهم قبل أن يسجل عليهم حالهم وسبب ما أصابهم في إعلان عام وتنبيه عال : « أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ » . . ثم يدعو عليهم بالطرد والبعد البعيد : « أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ » . . بهذا التحديد والإيضاح والتوكيد . كأنما يحدد عنوانهم للعنة المرسلة عليهم حتى تقصدهم قصدا : . . « أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ » ! ! ! * * * ونقف وقفات قصيرة أمام ما تلهمه قصة هود مع قومه في سياق هذه السورة ، قبل أن ننتقل منها إلى قصة صالح . ذلك أن استعراض خط سير الدعوة الإسلامية على هذا النحو إنما يجيء في القرآن الكريم لرسم معالم الطريق في خط الحركة بهذه العقيدة على مدار القرون . . ليس فقط في ماضيها التاريخي ، ولكن في مستقبلها إلى آخر الزمان . وليس فقط للجماعة المسلمة الأولى التي تلقت هذا القرآن أول مرة . وتحركت به في وجه الجاهلية يومذاك ؛ ولكن كذلك لكل جماعة مسلمة تواجه به الجاهلية إلى آخر الزمان . . وهذا ما يجعل هذا القرآن كتاب الدعوة الإسلامية الخالد ؛ ودليلها في الحركة في كل حين . ولقد أشرنا إشارات سريعة إلى اللمسات القرآنية التي سنعيد الحديث عنها كلها تقريبا . ولكنها مرت في