سيد قطب

1895

في ظلال القرآن

مضى قوم نوح في التاريخ ، الأكثرون المكذبون طواهم الطوفان وطواهم التاريخ ؛ واستبعدوا من الحياة ومن رحمة اللّه سواء ، والناجون استخلفوا في الأرض تحقيقا لسنة اللّه ووعده : « إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ » . ولقد كان وعد اللّه لنوح : « يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » . . فلما دارت عجلة الزمن ومضت خطوات التاريخ جاء وعد اللّه . وإذا عاد من نسل نوح الذين تفرقوا في البلاد - ومن بعدهم ثمود - ممن حقت عليهم كلمة اللّه : « وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » . لقد عادت الجاهلية مرة أخرى كما عادت من قبل بعد أجيال لا يعلمها إلا اللّه من المسلمين من ذرية آدم . . فلا بد أن أجيالا من ذرية آدم بعد استخلافه في الأرض قد ولدت مسلمة وعاشت بالإسلام الذي كان عليه أبواهم . حتى اجتالتهم الشياطين عن دينهم ، وانحرفت بهم إلى الجاهلية التي واجهها نوح - عليه السلام - ثم جاء نوح فنجا معه من نجا من المسلمين ، وأهلك الباقون ولم يعد على الأرض من الكافرين ديار - كما دعا نوح ربه . ولا بد أن أجيالا كثيرة من ذرية نوح عاشت بالإسلام بعده . . حتى اجتالتهم الشياطين مرة أخرى فانحرفوا كذلك إلى الجاهلية . وكانت عاد وكانت ثمود بعدها من أمم الجاهلية . . فأما عاد فكانوا قبيلة تسكن الأحقاف ( والحقف كثيب الرمل المائل ) في جنوب الجزيرة العربية ، وأما ثمود فكانت قبيلة تسكن مدائن الحجر في شمال الجزيرة بين تبوك والمدينة وبلغت كل منهما في زمانها أقصى القوة والمنعة والرزق والمتاع . . ولكن هؤلاء وهؤلاء كانوا ممن حقت عليهم كلمة اللّه ، بما عتوا عن أمر اللّه ، واختاروا الوثنية على التوحيد ، والدينونة للعبيد على الدينونة للّه ، وكذبوا الرسل شر تكذيب . وفي قصصهم هنا مصداق ما في مطلع السورة من حقائق وقضايا كقصة نوح . * * * « وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ . إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ . يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً . إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي . أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ، وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ، وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ » . .