سيد قطب

2420

في ظلال القرآن

الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل : « مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا » . . ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعا إليه : هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعا ويلتقون عليها جميعا . . ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها . راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان . . ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينا . قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين . الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد . . راية العقيدة والتوحيد وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى ، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب . وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام . في ظل اللّه . بالقرب من بيت اللّه . وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة ، والذكريات الغائبة والحاضرة . في أنسب مكان ، وأنسب جو ، وأنسب زمان . . فذلك إذ يقول اللّه سبحانه : « لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ » . . كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته . وذلك بعض ما أراده اللّه بالحج يوم أن فرضه على المسلمين ، وأمر إبراهيم - عليه السلام - أن يؤذن به في الناس . ويمضي السياق يشير إلى بعض مناسك الحج وشعائره وأهدافها : « وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ » . . وهذه كناية عن نحر الذبائح في أيام العيد وأيام التشريق الثلاثة بعده . والقرآن يقدم ذكر اسم اللّه المصاحب لنحر الذبائح ، لأن الجو جو عبادة ولأن المقصود من النحر هو التقرب إلى اللّه . ومن ثم فإن أظهر ما يبرز في عملية النحر هو ذكر اسم اللّه على الذبيحة . وكأنما هو الهدف المقصود من النحر لا النحر ذاته . . والنحر ذكرى لفداء إسماعيل - عليه السلام - فهو ذكرى لآية من آيات اللّه وطاعة من طاعات عبديه إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - فوق ما هو صدقة وقربى للّه بإطعام الفقراء . وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم والمعز . « فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ » . . والأمر بالأكل من الذبيحة يوم النحر هو أمر للإباحة أو الاستحباب . أما الأمر بإطعام البائس الفقير منها فهو أمر للوجوب . ولعل المقصود من أكل صاحبها منها أن يشعر الفقراء أنها طيبة كريمة . وبالنحر ينتهي الإحرام فيحل للحاج حلق شعره أو تقصيره ، ونتف شعر الإبط ، وقص الأظافر والاستحمام . مما كان ممنوعا عليه في فترة الإحرام . وهو الذي يقول عنه : « ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ، وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ » التي نذروها من الذبائح غير الهدي الذي هو من أركان الحج . « وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ » . . طواف الإفاضة بعد الوقوف بعرفات ، وبه تنتهي شعائر الحج . وهو غير طواف الوداع . والبيت العتيق هو المسجد الحرام أعفاه اللّه فلم يغلب عليه جبار . وأعفاه اللّه من البلى والدثور ، فما يزال معمورا منذ إبراهيم عليه السلام ولن يزال . تلك قصة بناء البيت الحرام ، وذلك أساسه الذي قام عليه . . بيت أمر اللّه خليله إبراهيم - عليه السلام - بإقامته على التوحيد ، وتطهيره من الشرك ، وأمره أن يؤذن في الناس بالحج إليه . ليذكروا اسم اللّه - لا أسماء