سيد قطب
2411
في ظلال القرآن
« وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً ، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » . والهمود درجة بين الحياة والموت . وهكذا تكون الأرض قبل الماء ، وهو العنصر الأصيل في الحياة والأحياء . فإذا نزل عليها الماء « اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ » وهي حركة عجيبة سجلها القرآن قبل أن تسجلها الملاحظة العلمية بمئات الأعوام ، فالتربة الجافة حين ينزل عليها الماء تتحرك حركة اهتزاز وهي تتشرب الماء وتنتفخ فتربو ثم تتفتح بالحياة عن النبات « مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » . وهل أبهج من الحياة وهي تتفتح بعد الكمون ، وتنتفض بعد الهمود ؟ وهكذا يتحدث القرآن عن القرابة بين أبناء الحياة جميعا ، فيسلكهم في آية واحدة من آياته . وإنها للفتة عجيبة إلى هذه القرابة الوثيقة . وإنها لدليل على وحدة عنصر الحياة ، وعلى وحدة الإرادة الدافعة لها هنا وهناك . في الأرض والنبات والحيوان والإنسان . « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ، وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى ، وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ » . . ذلك . . أي إنشاء الإنسان من التراب وتطور الجنين في مراحل تكونه ، وتطور الطفل في مراحل حياته ، وانبعاث الحياة من الأرض بعد الهمود . ذلك متعلق بأن اللّه هو الحق . فهو من السنن المطردة التي تنشأ من أن خالقها هو الحق الذي لا تختل سننه ولا تتخلف . وأن اتجاه الحياة هذا الاتجاه في هذه الأطوار ليدل على الإرادة التي تدفعها وتنسق خطاها وترتب مراحلها . فهناك ارتباط وثيق بين أن اللّه هو الحق ، وبين هذا الاطراد والثبات والاتجاه الذي لا يحيد . « وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى » فإحياء الموتى هو إعادة للحياة . والذي أنشأ الحياة الأولى هو الذي ينشئها للمرة الآخرة « وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ » ليلاقوا ما يستحقونه من جزاء . فهذا البعث تقتضيه حكمة الخلق والتدبير . وإن هذه الأطوار التي يمر بها الجنين ، ثم يمر بها الطفل بعد أن يرى النور لتشير إلى أن الإرادة المدبرة لهذه الأطوار ستدفع بالإنسان إلى حيث يبلغ كماله الممكن في دار الكمال . إذ أن الإنسان لا يبلغ كماله في حياة الأرض ، فهو يقف ثم يتراجع « لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً » فلا بد من دار أخرى يتم فيها تمام الإنسان . فدلالة هذه الأطوار على البعث دلالة مزدوجة . . فهي تدل على البعث من ناحية أن القادر على الإنشاء قادر على الإعادة ، وهي تدل على البعث لأن الإرادة المدبرة تكمل تطوير الإنسان في الدار الآخرة . . وهكذا تلتقي نواميس الخلق والإعادة ، ونواميس الحياة والبعث ، ونواميس الحساب والجزاء وتشهد كلها بوجود الخالق المدبر القادر الذي ليس في وجوده جدال . . ومع هذه الدلائل المتضافرة فهناك من يجادل في اللّه : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ، ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ، وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ . ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » . . والجدال في اللّه بعد تلك الدلائل يبدو غريبا مستنكرا . فكيف إذا كان جدالا بغير علم . لا يستند إلى دليل ، ولا يقوم على معرفة ، ولا يستمد من كتاب ينير القلب والعقل ، ويوضح الحق ، ويهدي إلى اليقين . والتعبير يرسم صورة لهذا الصنف من الناس . صورة فيها الكبر المتعجرف : « ثانِيَ عِطْفِهِ » مائلا مزورا بجنبه . فهو لا يستند إلى حق فيعوض عن هذا بالعجرفة والكبر . « لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » فلا يكتفي بأن يضل ، إنما يحمل غيره على الضلال .