سيد قطب
2408
في ظلال القرآن
ويعتصموا باللّه وحده ، وهم ينهضون بتكاليف عقيدتهم العريقة منذ أيام إبراهيم الخليل . . وهكذا تتساوق موضوعات السورة وتتعاقب في مثل هذا التناسق . . والآن نبدأ الشوط الأول بالتفصيل : « يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ، إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ؛ وَتَرَى النَّاسَ سُكارى ، وَما هُمْ بِسُكارى ، وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » . . مطلع عنيف رعيب ، ومشهد ترتجف لهوله القلوب . يبدأ بالنداء الشامل للناس جميعا : « يا أَيُّهَا النَّاسُ » يدعوهم إلى الخوف من اللّه : « اتَّقُوا رَبَّكُمْ » ويخوفهم ذلك اليوم العصيب : « إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ » . وهكذا يبدأ بالتهويل المجمل ، وبالتجهيل الذي يلقي ظل الهول يقصر عن تعريفه التعبير ، فيقال : إنه زلزلة . وإن الزلزلة « شَيْءٌ عَظِيمٌ » ، من غير تحديد ولا تعريف . ثم يأخذ في التفصيل . فإذا هو أشد رهبة من التهويل . . إذا هو مشهد حافل بكل مرضعة ذاهلة عما أرضعت تنظر ولا ترى ، وتتحرك ولا تعي . وبكل حامل تسقط حملها للهول المروع ينتابها . . وبالناس سكارى وما هم بسكارى ، يتبدى السكر في نظراتهم الذاهلة ، وفي خطواتهم المترنحة . . مشهد مزدحم بذلك الحشد المتماوج ، تكاد العين تبصره لحظة التلاوة ، بينما الخيال يتملاه . والهول الشاخص يذهله ، فلا يكاد يبلغ أقصاه . . وهو هول حي لا يقاس بالحجم والضخامة ، ولكن يقاس بوقعه في النفوس الآدمية : في المرضعات الذاهلات عما أرضعن - وما تذهل المرضعة عن طفلها وفي فمه ثديها إلا للهول الذي لا يدع بقية من وعي - والحوامل الملقيات حملهن ، وبالناس سكارى وما هم بسكارى : « وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » . . إنه مطلع عنيف مرهوب تتزلزل له القلوب . . في ظل هذا الهول المروع يذكر أن هنالك من يتطاول فيجادل في اللّه ، ولا يستشعر تقواه : « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ » . . والجدال في اللّه ، سواء في وجوده تعالى ، أو في وحدانيته ، أو في قدرته ، أو في علمه ، أو في صفة ما من صفاته . . الجدال في شيء من هذا في ظل ذلك الهول الذي ينتظر الناس جميعا ، والذي لا نجاة منه إلا بتقوى اللّه وبرضاه . . ذلك الجدال يبدو عجيبا من ذي عقل وقلب ، لا يتقي شر ذلك الهول المزلزل المجتاح . ويا ليته كان جدالا عن علم ومعرفة ويقين . ولكنه جدال « بِغَيْرِ عِلْمٍ » جدال التطاول المجرد من الدليل . جدال الضلال الناشئ من اتباع الشيطان . فهذا الصنف من الناس يجادل في اللّه بالهوى : « وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ » عات مخالف للحق متبجح « كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ » . . فهو حتم مقدور أن يضل تابعه عن الهدى والصواب ، وأن يقوده إلى عذاب السعير . . ويتهكم التعبير فيسمي قيادته أتباعه إلى عذاب السعير هداية ! « وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ » . . فيا لها من هداية هي الضلال المهلك المبيد ! أم إن الناس في ريب من البعث ؟ وفي شك من زلزلة الساعة ؟ إن كانوا يشكون في إعادة الحياة فليتدبروا