سيد قطب

2398

في ظلال القرآن

الوجود . وهو الإيمان بإله يرضى عن العمل الصالح ، لأنه وسيلة البناء في هذا الكون ، ووسيلة الكمال الذي قدره اللّه لهذه الحياة . فهو حركة ذات غاية مرتبطة بغاية الحياة ومصيرها ، لا فلتة عابرة ، ولا نزوة عارضة ، ولا رمية بغير هدف ، ولا اتجاها معزولا عن اتجاه الكون وناموسه الكبير . والجزاء على العمل يتم في الآخرة حتى ولو قدم منه قسط في الدنيا . فالقرى التي هلكت بعذاب الاستئصال ستعود كذلك حتما لتنال جزاءها الأخير ، وعدم عودتها ممتنعة ، فهي راجعة بكل تأكيد . « وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ » . . إنما يفرد السياق هذه القرى بالذكر بعد أن قال : « كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ » لأنه قد يخطر للذهن أن هلاكها في الدنيا كان نهاية أمرها ، ونهاية حسابها وجزائها . فهو يؤكد رجعتها إلى اللّه ، وينفي عدم الرجعة نفيا قاطعا في صورة التحريم لوقوعه . . وهو تعبير فيه شيء من الغرابة ، مما جعل المفسرين يؤولونه فيقدرون أن « لا » زائدة . وأن المعنى هي نفي رجعة القرى إلى الحياة في الدنيا بعد إهلاكها . أو نفي رجوعهم عن غيهم إلى قيام الساعة . وكلاهما تأويل لا داعي له . وتفسير النص على ظاهره أولى ، لأن له وجهه في السياق على النحو الذي ذكرنا . ثم يعرض مشهدا من مشاهد القيامة يبدؤه بالعلامة التي تدل على قرب الموعد . وهو فتح يأجوج ومأجوج : « حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ، وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ، فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا . يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا ، بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ . إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ . لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها ، وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ . لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ . إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ، وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ، كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ، وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ » . . وقد قلنا من قبل عند الكلام على يأجوج ومأجوج في قصة ذي القرنين في سورة الكهف : اقتراب الوعد الحق الذي يقرنه السياق بفتح يأجوج ومأجوج ، ربما يكون قد وقع بانسياح التتار وتدفقهم شرقا وغربا ، وتحطيم الممالك والعروش . . لأن القرآن قد قال منذ أيام الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - « اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ » . غير أن اقتراب الوعد الحق لا يحدد زمانا معينا للساعة . فحساب الزمن في تقدير اللّه غيره في تقدير البشر ، « وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ » . إنما المقصود هنا هو وصف ذلك اليوم حين يجيء ، والتقديم له بصورة مصغرة من مشاهد الأرض ، هي تدفق يأجوج ومأجوج من كل حدب في سرعة واضطراب . على طريقة القرآن الكريم في الاستعانة بمشاهدات البشر والترقي بهم من تصوراتهم الأرضية إلى المشاهد الأخروية . وفي المشهد المعروض هنا يبرز عنصر المفاجأة التي تبهت المفجوءين ! « فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا » . . لا تطرف من الهول الذي فوجئوا به . ويقدم في التعبير كلمة « شاخصة » لترسم المشهد وتبرزه ! ثم يميل السياق عن حكاية حالهم إلى إبرازهم يتكلمون ، وبذلك يحيي المشهد ويستحضره :