سيد قطب

2384

في ظلال القرآن

هذا الشوط الثالث يستعرض أمة الرسل . لا على وجه الحصر . يشير إلى بعضهم مجرد إشارة ؛ ويفصل ذكر بعضهم تفصيلا مطولا ومختصرا . وتتجلى في هذه الإشارات والحلقات رحمة اللّه وعنايته برسله ، وعواقب المكذبين بالرسل بعد أن جاءتهم البينات . كما تتجلى بعض الاختبارات للرسل بالخير وبالضر ، وكيف اجتازوا الابتلاء . كذلك تتجلى سنة اللّه في إرسال الرسل من البشر . ووحدة العقيدة والطريق ، لجماعة الرسل على مدار الزمان ؛ حتى لكأنهم أمة واحدة على تباعد الزمان والمكان . وتلك إحدى دلائل وحدانية الألوهية المبدعة ، ووحدانية الإرادة المدبرة ، ووحدانية الناموس الذي يربط سنن اللّه في الكون ، ويؤلف بينها ، ويوجهها جميعا وجهة واحدة ، إلى معبود واحد : « وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ » « وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ، وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ . وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ ، أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ؟ » . ولقد سبق في سياق السورة أن المشركين كانوا يستهزءون بالرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لأنه بشر . وأنهم كانوا يكذبون بالوحي ، ويقولون : إنه سحر أو شعر أو افتراء . فها هو ذا يكشف لهم أن إرسال الرسل من البشر هي السنة المطردة ، وهذه نماذج لها من قبل . وأن نزول الكتب على الرسل ليس بدعة مستغربة فها هما ذان موسى وهارون آتاهما اللّه كتابا . ويسمى هذا الكتاب « الْفُرْقانَ » وهي صفة القرآن . فهناك وحدة حتى في الاسم . ذلك أن الكتب المنزلة كلها فرقان بين الحق والباطل ، وبين الهدى والضلال ، وبين منهج في الحياة ومنهج ، واتجاه في الحياة واتجاه . فهي في عمومها فرقان . وفي هذه الصفة تلتقي التوراة والقرآن . وجعل التوراة كذلك ، « ضياء » يكشف ظلمات القلب والعقيدة ، وظلمات الضلال والباطل . وهي ظلمات يتوه فيها العقل ويضل فيها الضمير . وإن القلب البشري ليظل مظلما حتى تشرق فيه شعلة الإيمان ، فتنير جوانبه ، ويتكشف له منهجه ، ويستقيم له اتجاهه ، ولا تختلط عليه القيم والمعاني والتقديرات . وجعل التوراة كالقرآن « ذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ » تذكرهم باللّه ، وتبقي لهم ذكرا في الناس . وما ذا كان بنو إسرائيل قبل التوراة ؟ كانوا أذلاء تحت سياط فرعون ، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ويستذلهم بالسخرة والإيذاء . ويخص المتقين « الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ » لأن الذين تستشعر قلوبهم خشية اللّه ولم يروه ، « وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ » فيعملون لها ويستعدون هؤلاء هم الذين ينتفعون بالضياء ، ويسيرون على هداه ، فيكون كتاب اللّه لهم ذكرا ، يذكرهم باللّه ، ويرفع لهم ذكرا في الناس . ذلك شأن موسى وهارون . . « وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ » فليس بدعا ولا عجبا ، إنما هو أمر مسبوق وسنة معروفة « أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ؟ » فما ذا تنكرون منه ، وقد سبقت به الرسالات ؟ وبعد الإشارة السريعة إلى موسى وهارون وكتابهما يرتد السياق إلى حلقة كاملة من قصة إبراهيم ، وهو جد العرب الأكبر وباني الكعبة التي يحشدون فيها الأصنام ، ويعكفون عليها بالعبادة ، وهو الذي حطم الأصنام من قبل . والسياق يعرضه هنا وهو يستنكر الشرك ويحطم الأصنام .