سيد قطب
2354
في ظلال القرآن
وعهده للرحمن . وها هي ذي التجربة الأولى تعلن نتيجتها الأولى : « فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » ثم تعرض تفصيلاتها : « وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ : اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى » . . هكذا في إجمال ، يجيء هذا المشهد الذي يفصل في سور أخرى ، لأن السياق هنا سياق النعمة والرعاية . . فيعجل بمظاهر النعمة في الرعاية : « فَقُلْنا : يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ، فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى » . . وكانت هذه رعاية من اللّه وعنايته أن ينبه آدم إلى عدوه ويحذره غدره ، عقب نشوزه وعصيانه ، والامتناع عن السجود لآدم كما أمره ربه . « فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى » فالشقاء بالكد والعمل والشرود والضلال والقلق والحيرة واللهفة والانتظار والألم والفقدان . . كلها تنتظر هناك خارج الجنة ؛ وأنت في حمى منها كلها ما دمت في رحاب الفردوس . . « إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى . وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى » . . فهذا كله مضمون لك ما دمت في رحابها ، والجوع والعري ، يتقابلان مع الظمأ والضحوة . وهي في مجموعها تمثل متاعب الإنسان الأولى في الحصول على الطعام والكساء ، والشراب والظلال . ولكن آدم كان غفلا من التجارب . وهو يحمل الضعف البشري تجاه الرغبة في البقاء والرغبة في السلطان . ومن هذه الثغرة نفذ إليه الشيطان : « فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ : يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ؟ » لقد لمس في نفسه الموضع الحساس ، فالعمر البشري محدود ، والقوة البشرية محدودة . من هنا يتطلع إلى الحياة الطويلة وإلى الملك الطويل ، ومن هاتين النافذتين يدخل عليه الشيطان ، وآدم مخلوق بفطرة البشر وضعف البشر ، لأمر مقدور وحكمة مخبوءة . . ومن ثم نسي العهد ، وأقدم على المحظور : « فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ، وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ . . وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى » . . والظاهر أنها السوءات الحسية تبدت لهما وكانت عنهما مستورة ، وأنها مواضع العفة في جسديهما . يرجح ذلك أنهما أخذا يسترانها بورق الجنة يشبكانه ليستر هذه المواضع . وقد يكون ذلك إيذانا باستيقاظ الدوافع الجنسية في كيانهما . فقبل يقظة هذه الدوافع لا يحس الإنسان بالخجل من كشف مواضع العفة ولا ينتبه إليها ولكنه ينتبه إلى العورات عند استيقاظ دوافع الجنس ويخجل من كشفها . وربما كان حظر هذه الشجرة عليهما ، لأن ثمارها مما يوقظ هذه الدوافع في الجسم تأجيلا لها فترة من الزمان كما يشاء اللّه . وربما كان نسيانهما عهد اللّه وعصيانهما له تبعه هبوط في عزيمتهما وانقطاع عن الصلة بخالقهما فسيطرت عليهما دوافع الجسد وتنبهت فيهما دوافع الجنس . وربما كانت الرغبة في الخلود تجسمت في استيقاظ الدوافع الجنسية للتناسل ؛ فهذه هي الوسيلة الميسرة للإنسان للامتداد وراء العمر الفردي المحدود . . كل هذه فروض لتفسير مصاحبة ظهور سوآتهما لهما للأكل من الشجرة . فهو لم يقل : فبدت سوآتهما . إنما قال : فبدت لهما سوآتهما . مما يؤذن أنها كانت محجوبة عنهما فظهرت لهما بدافع داخلي من إحساسهما . . وقد جاء في موضع آخر عن إبليس : « لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما » ، وجاء : « يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما » وقد يكون اللباس الذي نزعه الشيطان ليس لباسا ماديا إنما هو شعور ساتر ، قد يكون هو شعور البراءة والطهارة والصلة باللّه . وعلى أية حال فهي مجرد فروض كما أسلفنا لا نؤكدها