سيد قطب
2351
في ظلال القرآن
أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 128 ) وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 ) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ( 130 ) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ( 132 ) وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 133 ) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى ( 134 ) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى ( 135 ) بدأت السورة بالحديث عن القرآن ، وأنه لم ينزل على الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ليشقى به أو بسببه . ومن القرآن قصة موسى - عليه السلام - وما يبدو فيها من رعاية اللّه وعنايته بموسى وأخيه وقومه . فالآن يعقب السياق على القصة بالعودة إلى القرآن ووظيفته ، وعاقبة من يعرض عنه . ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة ، تتضاءل فيه أيام الحياة الدنيا ؛ وتتكشف الأرض من جبالها وتعرى ، وتخشع الأصوات للرحمن ، وتعنوا الوجوه للحي القيوم . لعل هذا المشهد وما في القرآن من وعيد يثير مشاعر التقوى في النفوس ، ويذكرها باللّه ويصلها به . . وينتهي هذا المقطع بإراحة بال الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من القلق من ناحية القرآن الذي ينزل عليه ، فلا يعجل في ترديده خوف أن ينساه ، ولا يشقى بذلك فاللّه ميسره وحافظه . إنما يطلب من ربه أن يزيده علما . وبمناسبة حرص الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - على أن يردد ما يوحى إليه قبل انتهاء الوحي خشية النسيان ، يعرض السياق نسيان آدم لعهد اللّه . وينتهي بإعلان العداوة بينه وبين إبليس ، وعاقبة من يتذكرون عهد اللّه ومن يعرضون عنه من ولد آدم . ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة كأنما هو نهاية الرحلة التي بدأت في الملأ الأعلى ، ثم تنتهي إلى هناك مرة أخرى . وتختم السورة بتسلية الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عن إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين فلا يشقى بهم ، فلهم أجل معلوم . ولا يحفل بما أوتوه من متاع في الحياة الدنيا فهو فتنة لهم . وينصرف إلى عبادة اللّه وذكره فترضى نفسه وتطمئن . ولقد هلكت القرون من قبلهم ، وشاء اللّه أن يعذر إليهم بالرسول الأخير ، فلينفض يده من أمرهم ويكلهم إلى مصيرهم .