سيد قطب
2347
في ظلال القرآن
النفسي . وكان أول ابتلاء هو ابتلاؤهم بالعجل الذي صنعه لهم السامري : « قالَ : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ ، وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ » ولم يكن لدى موسى علم بهذا الابتلاء ، حتى لقي ربه ، وتلقى الألواح وفي نسختها هدى ، وبها الدستور التشريعي لبناء بني إسرائيل بناء يصلح للمهمة التي هم منتدبون لها . وينهي السياق موقف المناجاة هنا على عجل ويطويه ، ليصور انفعال موسى - عليه السلام - مما علم من أمر الفتنة ، ومسارعته بالعودة ، وفي نفسه حزن وغضب ، على القوم الذين أنقذهم اللّه على يديه من الاستعباد والذل في ظل الوثنية ؛ ومن عليهم بالرزق الميسر والرعاية الرحيمة في الصحراء ؛ وذكرهم منذ قليل بآلائه ، وحذرهم الضلال وعواقبه . ثم ها هم أولاء يتبعون أول ناعق إلى الوثنية ، وإلى عبادة العجل ! ولم يذكر هنا ما أخبر اللّه به موسى من تفصيلات الفتنة ، استعجالا في عرض موقف العودة إلى قومه . ولكن السياق يشي بهذه التفصيلات . فلقد عاد موسى غضبان أسفا يوبخ قومه ويؤنب أخاه . فلا بد أنه كان يعلم شناعة الفعلة التي أقدموا عليها : « فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً . قالَ : يا قَوْمِ : أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ؟ أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ؟ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ؛ قالُوا : ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ، وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها ، فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ ، فَقالُوا : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ، أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا ، وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ؟ وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ : يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي . قالُوا : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ! » . هذه هي الفتنة يكشف السياق عنها في مواجهة موسى بقومه ؛ وقد أخر كشفها عن موقف المناجاة ، واحتفظ بتفصيلاتها لتظهر في مشهد التحقيق الذي يقوم به موسى . . لقد رجع موسى ليجد قومه عاكفين على عجل من الذهب له خوار يقولون : هذا إلهكم وإله موسى . وقد نسي موسى فذهب يطلب ربه على الجبل وربه هنا حاضر ! فراح موسى يسألهم في حزن وغضب : « يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ؟ » وقد وعدهم اللّه بالنصر ودخول الأرض المقدسة في ظل التوحيد ؛ ولم يمض على هذا الوعد وإنجاز مقدماته طويل وقت . ويؤنبهم في استنكار : « أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ؟ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ ؟ » فعملكم هذا عمل من يريد أن يحل عليه غضب من اللّه كأنما يتعمد ذلك تعمدا ، ويقصد إليه قصدا ! . . أفطال عليكم العهد ؟ أم تعمدتم حلول الغضب « فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي » وقد تواعدنا على أن تبقوا على عهدي حتى أعود إليكم ، لا تغيرون في عقيدتكم ولا منهجكم بغير أمري ؟ عندئذ يعتذرون بذلك العذر العجيب ، الذي يكشف عن أثر الاستعباد الطويل ، والتخلخل النفسي والسخف العقلي : « قالُوا : ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا » فلقد كان الأمر أكبر من طاقتنا ! « وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها » . . وقد حملوا معهم أكداسا من حلي المصريات كانت عارية عند نسائهم فحملنها معهن . فهم يشيرون إلى هذه الأحمال . ويقولون : لقد قذفناها تخلصا منها لأنها حرام . فأخذها السامري فصاغ منها عجلا . والسامري رجل من « سامراء » كان يرافقهم أو أنه واحد منهم يحمل هذا اللقب . وجعل له منافذ إذا دارت فيها الريح أخرجت صوتا كصوت الخوار ، ولا حياة فيه ولا روح فهو جسد - ولفظ الجسد يطلق على الجسم الذي لا حياة فيه - فما كادوا يرون عجلا من ذهب يخور حتى نسوا ربهم الذي أنقذهم