سيد قطب

2344

في ظلال القرآن

الأرض ، وعلى الطمع ، في المثوبة والخوف من السلطان . وما يملك القلب البشري أن يجهر بهذا الإعلان القوي إلا في ظلال الإيمان . وهنا يسدل الستار ليرفع على مشهد آخر وحلقة من القصة جديدة . إنه مشهد انتصار الحق والإيمان في واقع الحياة المشهود ، بعد انتصارهما في عالم الفكرة والعقيدة . فلقد مضى السياق بانتصار آية العصا على السحر ؛ وانتصار العقيدة في قلوب السحرة على الاحتراف ؛ وانتصار الإيمان في قلوبهم على الرغب والرهب ، والتهديد والوعيد . فالآن ينتصر الحق على الباطل والهدى على الضلال ، والإيمان على الطغيان في الواقع المشهود . والنصر الأخير مرتبط بالنصر الأول . فما يتحقق النصر في عالم الواقع إلا بعد تمامه في عالم الضمير ؛ وما يستعلي أصحاب الحق في الظاهر إلا بعد أن يستعلوا بالحق في الباطن . . إن للحق والإيمان حقيقة متى تجسمت في المشاعر أخذت طريقها فاستعلنت ليراها الناس في صورتها الواقعية . فأما إذا ظل الإيمان مظهرا لم يتجسم في القلب ، والحق شعارا لا ينبع من الضمير ، فإن الطغيان والباطل قد يغلبان ، لأنهما يملكان قوة مادية حقيقية لا مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان . . يجب أن تتحقق حقيقة الإيمان في النفس وحقيقة الحق في القلب ؛ فتصبحا أقوى من حقيقة القوى المادية التي يستعلي بها الباطل ويصول بها الطغيان . . وهذا هو الذي كان في موقف موسى - عليه السلام - من السحر والسحرة . وفي موقف السحرة من فرعون وملئه . ومن ثم انتصر الحق في الأرض كما يعرضه هذا المشهد في سياق السورة : « وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي ، فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً ، لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى . فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ، وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى » . . ولا يذكر السياق هنا ما الذي كان بعد مواجهة الإيمان للطغيان في موقف السحرة مع فرعون . ولا كيف تصرف معهم بعد ما اعتصموا بإيمانهم مستقبلين التهديد والوعيد بقلب المؤمن المتعلق بربه ، المستهين بحياة الأرض وما فيها ومن فيها . إنما يعقب بهذا المشهد . مشهد الانتصار الكامل ليتصل النصر القلبي بالنصر الواقعي . وتتجلى رعاية اللّه لعباده المؤمنين كاملة حاسمة . . ولنفس الغرض لا يطيل هنا في مشهد الخروج والوقوف أمام البحر - كما يطيل في سور أخرى - بل يبادر بعرض مشهد النصر بلا مقدمات كثيرة . لأن مقدماته كانت في الضمائر والقلوب . وإن هو إلا الإيحاء لموسى أن يخرج بعباد اللّه - بني إسرائيل - ليلا . فيضرب لهم طريقا في البحر يبسا بدون تفصيل ولا تطويل - فنعرضه نحن كذلك كما جاء - مطمئنا إلى أن عناية اللّه ترعاهم فلا يخاف أن يدركه فرعون وجنوده ، ولا يخشى من البحر الذي اتخذ له طريقا يابسا فيه ! ويد القدرة التي أجرت الماء وفق الناموس الذي أرادته قادرة على أن تكشفه بعض الوقت عن طريق يابس فيه ! « فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ . وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى » . . هكذا يجمل السياق كذلك ما غشي فرعون وقومه ، ولا يفصله ، ليبقى وقعه في النفس شاملا مهولا ؛ لا يحدده التفصيل ، وقاد فرعون قومه إلى الضلال في الحياة كما قادهم إلى الضلال والبحر . وكلاهما ضلال يؤدي إلى البوار . . ولا نتعرض نحن لتفصيلات ما حدث في هذا الموضع ، كي نتابع السياق في حكمة الإجمال . إنما نقف أمام العبرة التي يتركها المشهد ونتسمع لإيقاعه في القلوب . .