سيد قطب
2337
في ظلال القرآن
هنا يجيئهما الرد الحاسم الذي لا خوف بعده ، ولا خشية معه : « قالَ : لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى » . . إنني معكما . . إنه القوي الجبار الكبير المتعال . إنه اللّه القاهر فوق عباده . إنه موجد الأكوان والحيوات والأفراد والأشياء بقوله : كن . ولا زيادة . . إنه معهما . . وكان هذا الإجمال يكفي . ولكنه يزيدهما طمأنينة ، ولمسا بالحس للمعونة : « أَسْمَعُ وَأَرى . . » فما يكون فرعون وما يملك وما يصنع حين يفرط أو يطغى ؟ واللّه معهما يسمع ويرى ؟ ومع الطمأنينة الهداية إلى صورة الدعوة وطريق الجدال : « فَأْتِياهُ فَقُولا : إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ . فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ . قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى . إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى » . . إنه البدء بإيضاح قاعدة رسالتهما : « إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ » ليشعر منذ اللحظة الأولى بأن هناك إلها هو ربه . وهو رب الناس . فليس هو إلها خاصا بموسى وهارون أو ببني إسرائيل ، كما كان سائدا في خرافات الوثنية يومذاك أن لكل قوم إلها أو آلهة ؛ ولكل قبيل إلها أو آلهة . أو كما كان سائدا في بعض العصور من أن فرعون مصر إله يعبد فيها لأنه من نسل الآلهة . ثم إيضاح لموضوع رسالتهما : « فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ » . . ففي هذه الحدود كانت رسالتهما إلى فرعون . لاستنقاذ بني إسرائيل ، والعودة بهم إلى عقيدة التوحيد ، وإلى الأرض المقدسة التي كتب اللّه لهم أن يسكنوها ( إلى أن يفسدوا فيها ، فيدمرهم تدميرا ) . ثم استشهاد على صدقهما في الرسالة : « قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ » تدل على صدقنا في مجيئنا إليك بأمر ربك ، في هذه المهمة التي حددناها . ثم ترغيب واستمالة : « وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى » : فلعله منهم يتلقى السلام ويتبع الهدى . ثم تهديد وتحذير غير مباشرين كيلا يثيرا كبرياءه وطغيانه : « إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى » . . فلعله لا يكون ممن كذب وتولى ! هكذا ألقى اللّه الطمأنينة على موسى وهارون . وهكذا رسم لهما الطريق . ودبر لهما الأمر . ليمضيا آمنين عارفين هاديين . وهنا يسدل الستار ليرفع . فإذا هما أمام الطاغية في حوار وجدال . لقد أتيا فرعون - والسياق لا يذكر كيف وصلا إليه - أتياه وربهما معهما يسمع ويرى . فأية قوة وأي سلطان هذا الذي يتكلم به موسى وهارون ، كائنا فرعون ما كان ؛ ولقا أبلغاه ما أمرهما ربهما بتبليغه . والمشهد هنا يبدأ بما دار بينه وبين موسى - عليه السلام - من حوار : « قالَ : فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ! قالَ : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » . . إنه لا يريد أن يعترف بأن رب موسى وهارون هو ربه ، كما قالا له : « إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ » فهو يسأل موجها الكلام إلى موسى لما بدا له أنه هو صاحب الدعوى : « فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ؟ » من ربكما الذي تتكلمان باسمه وتطلبان اطلاق بني إسرائيل ؟