سيد قطب
2329
في ظلال القرآن
ثم يقص اللّه على رسوله حديث موسى ، نموذجا لرعايته للمختارين لحمل دعوته : وقصة موسى هي أكثر قصص المرسلين ورودا في القرآن . وهي تعرض في حلقات تناسب موضوع السورة التي تعرض فيها وجوّها وظلها . وقد وردت حلقات منها حتى الآن في سورة البقرة . وسورة المائدة . وسورة الأعراف . وسورة يونس . وسورة الإسراء . وسورة الكهف . . وذلك غير الإشارات إليها في سور أخرى . وما جاء منها في المائدة كان حلقة واحدة : حلقة وقوف بني إسرائيل أمام الأرض المقدسة لا يدخلون لأن فيها قوما جبارين . وفي سورة الكهف كانت كذلك حلقة واحدة : حلقة لقاء موسى للعبد الصالح وصحبته فترة . . فأما في البقرة والأعراف ويونس وفي هذه السورة - طه - فقد وردت منها حلقات كثيرة . ولكن هذه الحلقات تختلف في سورة عنها في الأخرى . تختلف الحلقات المعروضة ، كما يختلف الجانب الذي تعرض منه تنسيقا له مع اتجاه السورة التي يعرض فيها . في البقرة سبقتها قصة آدم وتكريمه في الملأ الأعلى ، وعهد اللّه إليه بخلافة الأرض ونعمته عليه بعد ما غفر له . . فجاءت قصة موسى وبني إسرائيل تذكيرا لبني إسرائيل بنعمة اللّه عليهم وعهده إليهم وإنجائهم من فرعون وملئه . واستسقائهم وتفجير الينابيع لهم وإطعامهم المن والسلوى ، وذكرت مواعدة موسى وعبادتهم للعجل من بعده ، ثم غفرانه لهم . وعهده إليهم تحت الجبل . ثم عدوانهم في السبت . وقصة البقرة . وفي الأعراف سبقها الإنذار وعواقب المكذبين بالآيات قبل موسى - عليه السلام - فجاءت قصة موسى تعرض ابتداء من حلقة الرسالة ، وتعرض فيها آيات العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . وتعرض حلقة السحرة بالتفصيل . وخاتمة فرعون وملئه المكذبين . ثم ما كان من بني إسرائيل بعد ذلك من اتخاذ العجل في غيبة موسى . وتنتهي القصة بإعلان فيها وراثة رحمة اللّه وهداه للذين يتبعون الرسول النبي الأمي . وفي يونس سبقها عرض مصارع المكذبين . فجاءت قصة موسى من حلقة الرسالة ، وعرض مشهد السحرة ، ومصرع فرعون وقومه بالتفصيل . أما هنا في طه . فقد سبقها مطلع السورة يشف عن رحمة اللّه ورعايته لمن يصطفيهم لحمل رسالته وتبليغ دعوته . فجاءت القصة مظللة بهذا الظل تبدأ بمشهد المناجاة ؛ وتضمن نماذج من رعاية اللّه لموسى عليه السلام وتثبيته وتأييده ؛ وتشير إلى سبق هذه الرعاية للرسالة ، فقد كانت ترافقه في طفولته ، فتحرسه وتتعهده : « وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي » . . فلنأخذ في تتبع حلقات القصة كما وردت في السياق . « وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى . إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ : امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً ، لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ ، أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً » . . « وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ؟ » وما يتجلى فيه من رعاية اللّه وهداه لمن اصطفاه ؟ . . فها هو ذا موسى - عليه السلام - في الطريق بين مدين ومصر إلى جانب الطور ها هو ذا عائد بأهله بعد أن قضى فترة التعاقد بينه وبين نبي اللّه شعيب ، على أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه ثماني سنوات أو عشرا . والأرجح أنه وفي عشرا ؛ ثم خطر له أن يفارق شعيبا وأن يستقل بنفسه وبزوجه ، ويعود إلى