سيد قطب

2318

في ظلال القرآن

« ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا » . . وفي اللفظ تشديد ، ليرسم بظله وجرسه صورة لهذا الانتزاع ؛ تتبعها صورة القذف في النار ، وهي الحركة التي يكملها الخيال ! وإن اللّه ليعلم من هم أولى بأن يصلوها ، فلا يؤخذ أحد جزافا من هذه الجموع التي لا تحصى . والتي أحصاها اللّه فردا فردا : « ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا » . . فهم المختارون ليكونوا طليعة المقذوفين ! وإن المؤمنين ليشهدون العرض الرهيب : « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا » فهم يردون فيدنون ويمرون بها وهي تتأجج وتتميز وتتلمظ ؛ ويرون العتاة ينزعون ويقذفون . « ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا » فتزحزح عنهم وينجون منها لا يكادون ! « وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا » . . ومن هذا المشهد المفزع الذي يجثو فيه العتاة جثو الخزي والمهانة ، ويروح فيه المتقون ناجين . ويبقى الظالمون فيه جاثين . . من هذا المشهد إلى مشهد في الدنيا يتعالى فيه الكفار على المؤمنين ، ويعيرونهم بفقرهم ، ويعتزون بثرائهم ومظاهرهم وقيمهم في عالم الفناء : « وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ . قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا : أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ؟ » . . إنها النوادي الفخمة والمجامع المترفة ؛ والقيم التي يتعامل بها الكبراء والمترفون في عصور الفساد . وإلى جانبها تلك المجتمعات المتواضعة المظهر والمنتديات الفقيرة إلا من الإيمان . لا أبهة ولا زينة ، ولا زخرف ، ولا فخامة . . هذه وتلك تتقابلان في هذه الأرض وتجتمعان ! وتقف الأولى بمغرياتها الفخمة الضخمة : تقف بمالها وجمالها . بسلطانها وجاهها . بالمصالح تحققها ، والمغانم توفرها ، وباللذائذ والمتاع . وتقف الثانية بمظهرها الفقير المتواضع ، تهزأ بالمال والمتاع ، وتسخر من الجاه والسلطان ؛ وتدعو الناس إليها ، لا باسم لذة تحققها ، ولا مصلحة توفرها ، ولا قربى من حاكم ولا اعتزاز بذي سلطان . ولكن باسم العقيدة تقدمها إليهم مجردة من كل زخرف ، عاطلة من كل زينة ، معتزة بعزة اللّه دون سواه . . لا بل تقدمها إليهم ومعها المشقة والجهد والجهاد والاستهتار ، لا تملك أن تأجرهم على ذلك كله شيئا في هذه الأرض ، إنما هو القرب من اللّه ، وجزاؤه الأوفى يوم الحساب . وهؤلاء هم سادة قريش تتلى عليهم آيات اللّه - على عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم - فيقولون للمؤمنين الفقراء : « أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ؟ » الكبراء الذين لا يؤمنون بمحمد ، أم الفقراء الذين يلتفون حوله . أيهم خير مقاما وأحسن ناديا ؟ النضير بن الحارث وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة وإخوانهم من السادة ، أم بلال وعمار وخباب وإخوانهم من المعدمين ؟ أفلو كان ما يدعو إليه محمد خيرا أفكان أتباعه يكونون هم هؤلاء النفر الذين لا قيمة لهم في مجتمع قريش ولا خطر ؟ وهم يجتمعون في بيت فقير عاطل كبيت خباب ؟ ويكون معارضوه هم أولئك أصحاب النوادي الفخمة الضخمة والمكانة الاجتماعية البارزة ؟ . إنه منطق الأرض . منطق المحجوبين عن الآفاق العليا في كل زمان ومكان . وإنها لحكمة اللّه أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء ، عاطلة من عوامل الإغراء . ليقبل عليها من يريدها لذاتها خالصة للّه من دون الناس ، ومن دون ما تواضعوا عليه من قيم ومغريات ؛ وينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع ، ومن يشتهي الزينة والزخرف ، ومن يطلب المال والمتاع .