سيد قطب

2306

في ظلال القرآن

الرجل السوي - الذي لم تثق بعد بأنه رسول ربها - فقد تكون حيلة فاتك يستغل طيبتها - يصارحها بما يخدش سمع الفتاة الخجول ، وهو أنه يريد أن يهب لها غلاما ، وهما في خلوة - وهذه هي الهزة الثانية . ثم تدركها شجاعة الأنثى المهددة في عرضها ! فتسأل في صراحة : كيف ؟ « قالَتْ : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ، وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ؟ » . . هكذا في صراحة . وبالألفاظ المكشوفة . فهي والرجل في خلوة . والغرض من مباغتته لها قد صار مكشوفا . فما تعرف هي بعد كيف يهب لها غلاما ؟ وما يخفف من روع الموقف أن يقول لها : « إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ » ولا أنه مرسل ليهب لها غلاما طاهرا غير مدنس المولد ، ولا مدنس السيرة ، ليطمئن بالها . لا . فالحياء هنا لا يجدي ، والصراحة أولى . . كيف ؟ وهي عذراء لم يمسسها بشر ، وما هي بغي فتقبل الفعلة التي تجيء منها بغلام ! ويبدو من سؤالها أنها لم تكن تتصور حتى اللحظة وسيلة أخرى لأن يهبها غلاما إلا الوسيلة المعهودة بين الذكر والأنثى . وهذا هو الطبيعي بحكم التصور البشري . « قالَ : كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ : هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ . وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ، وَرَحْمَةً مِنَّا » . . فهذا الأمر الخارق الذي لا تتصور مريم وقوعه ، هين على اللّه . فأمام القدرة التي تقول للشيء كن فيكون ، كل شيء هين ، سواء جرت به السنة المعهودة أو جرت بغيره . والروح يخبرها بأن ربها يخبرها بأن هذا هين عليه . وأنه أراد أن يجعل هذا الحادث العجيب آية للناس ، وعلامة على وجوده وقدرته وحرية إرادته . ورحمة لبني إسرائيل أولا وللبشرية جميعا ، بإبراز هذا الحادث الذي يقودهم إلى معرفة اللّه وعبادته وابتغاء رضاه . بذلك انتهى الحوار بين الروح الأمين ومريم العذراء . . ولا يذكر السياق ما ذا كان بعد الحوار ، فهنا فجوة من فجوات العرض الفني للقصة . ولكنه يذكر أن ما أخبرها به من أن يكون لها غلام وهي عذراء لم يمسسها بشر ، وأن يكون هذا الغلام آية للناس ورحمة من اللّه . أن هذا قد انتهى أمره ، وتحقق وقوعه : « وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا » كيف ؟ لا يذكر هنا عن ذلك شيئا « 1 » . ثم تمضي القصة في مشهد جديد من مشاهدها ؛ فتعرض هذه العذراء الحائرة في موقف آخر أشد هولا : « فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا . فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ؛ قالَتْ : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا » . . وهذه هي الهزة الثالثة . . إن السياق لا يذكر كيف حملته ولا كم حملته . هل كان حملا عاديا كما تحمل النساء وتكون النفخة قد بعثت الحياة والنشاط في البويضة فإذا هي علقة فمضغة فعظام ثم تكسى العظام باللحم ويستكمل الجنين أيامه

--> ( 1 ) جاء في سورة التحريم : « وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا » . فهل كلمة « رُوحَنا » التي في سورة مريم هي نفسها التي في سورة التحريم ؟ وهل مدلولها واحد ؟ . . نحن نميل إلى أنها ذات مدلولين : فهي هنا في السورة تغني جبريل الروح الأمين وهو رسول اللّه إلى مريم . أما في التحريم فتعني الروح الذي نفخ اللّه منه في آدم فإذا هو إنسان ونفخ منه في فرج مريم فإذا البويضة حية مستعدة للنمو : فهي النفخة الإلهية التي تمنح الحياة وتمنح معها الخصائص المرافقة لنوع هذه الحياة . وهي في الإنسان الاستعدادات التي تصله بالملإ الأعلى وتهبه . الحس الإنساني والتفكير والمشاعر والإلهامات . ونفسر حالة مريم بأن جبريل وهو الروح الأمين كان حاملا وموصلا لنفخة الروح العلوية من اللّه . . ثم نعود فنقول : إننا لا ندرك شيئا لا عن ماهية الروح بمعنى جبريل ، ولا عن ماهية الروح بالمعنى الآخر . فكله غيب . إنما نحن نستلهم السياق في السورتين فنجد أن مدلول الروح هنا غيره هناك .