سيد قطب

2303

في ظلال القرآن

إنه فيض الكرم الإلهي يغدقه على عبده الذي دعاه في ضراعة ، وناجاه في خفية ، وكشف له عما يخشى ، وتوجه إليه فيما يرجو . والذي دفعه إلى دعاء ربه خوفه الموالي من بعده على تراث العقيدة وعلى تدبير المال والقيام على الأهل بما يرضي اللّه . وعلم اللّه ذلك من نيته فأغدق عليه وأرضاه . وكأنما أفاق زكريا من غمرة الرغبة وحرارة الرجاء ، على هذه الاستجابة القريبة للدعاء . فإذا هو يواجه الواقع . . إنه رجل شيخ بلغ من الكبر عتيا ، وهن عظمه واشتعل شيبه ، وامرأته عاقر لم تلد له في فتوته وصباه : فكيف يا ترى سيكون له غلام ؟ إنه ليريد أن يطمئن ، ويعرف الوسيلة التي يرزقه اللّه بها هذا الغلام : « قالَ : رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ؟ » . إنه يواجه الواقع ، ويواجه معه وعد اللّه . وإنه ليثق بالوعد ، ولكنه يريد أن يعرف كيف يكون تحقيقه مع ذلك الواقع الذي يواجهه ليطمئن قلبه . وهي حالة نفسية طبيعية . في مثل موقف زكريا النبي الصالح . الإنسان ! الذي لا يملك أن يغفل الواقع ، فيشتاق أن يعرف كيف يغيره اللّه ! هنا يأتيه الجواب عن سؤاله : أن هذا هين على اللّه سهل . ويذكره بمثل قريب في نفسه : في خلقته هو وإيجاده بعد أن لم يكن . وهو مثل لكل حي ، ولكل شيء في هذا الوجود : « قالَ : كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ : هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ . وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً » . وليس في الخلق هين وصعب على اللّه . ووسيلة الخلق للصغير والكبير ، وللحقير والجليل واحدة : كن . فيكون . واللّه هو الذي جعل العاقر لا تلد . وجعل الشيخ الفاني لا ينسل ؛ وهو قادر على إصلاح العاقر وإزالة سبب العقم ، وتجديد قوة الإخصاب في الرجل . وهو أهون في اعتبار الناس من إنشاء الحياة ابتداء . وإن كان كل شيء هينا على القدرة : إعادة أو إنشاء . ومع ذلك فإن لهفة زكريا على الطمأنينة تدفع به أن يطلب آية وعلامة على تحقق البشرى فعلا . فأعطاه اللّه آية تناسب الجو النفسي الذي كان فيه الدعاء وكانت فيه الاستجابة . . ويؤدي بها حق الشكر للّه الذي وهبه على الكبر غلاما . . وذلك أن ينقطع عن دنيا الناس ويحيا مع اللّه ثلاث ليال ينطلق لسانه إذا سبح ربه ، ويحتبس إذا كلم الناس ، وهو سوي معافى في جوارحه لم يصب لسانه عوج ولا آفة . « قالَ : آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا » . . وكان ذلك : « فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا » . . ذلك ليعيشوا في مثل الجو الذي يعيش فيه ، وليشكروا اللّه معه على ما أنعم عليه وعليهم من بعده . ويترك السياق زكريا في صمته وتسبيحه ، ويسدل عليه الستار في هذا المشهد ويطوي صفحته ليفتح الصفحة الجديدة على يحيى ؛ يناديه ربه من الملأ الأعلى : « يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ . . . » . لقد ولد يحيى وترعرع وصار صبيا ، في الفجوة التي تركها السياق بين المشهدين . على طريقة القرآن في عرضه الفني للقصص ، ليبرز أهم الحلقات والمشاهد ، وأشدها حيوية وحركة .