سيد قطب

2300

في ظلال القرآن

واستنكار للشرك ودعوى الولد ؛ وعرض لمصارع المشركين والمكذبين في الدنيا وفي الآخرة . . وكله يتناسق مع اتجاه القصص في السورة ويتجمع حول محورها الأصيل . وللسورة كلها جو خاص يظللها ويشيع فيها ، ويتمشى في موضوعاتها . . إن سياق هذه السورة معرض للانفعالات والمشاعر القوية . . الانفعالات في النفس البشرية ، وفي « نفس » الكون من حولها . فهذا الكون الذي نتصوره جمادا لا حس له يعرض في السياق ذا نفس وحس ومشاعر وانفعالات ، تشارك في رسم الجو العام للسورة . حيث نرى السماوات والأرض والجبال تغضب وتنفعل حتى لتكاد تنفطر وتنشق وتنهد استنكارا : « أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً » . . أما الانفعالات في النفس البشرية فتبدأ مع مفتتح السورة وتنتهي مع ختامها . والقصص الرئيسي فيها حافل بهذه الانفعالات في مواقفه العنيفة العميقة . وبخاصة في قصة مريم وميلاد عيسى . والظل الغالب في الجو هو ظل الرحمة والرضى والاتصال . فهي تبدأ بذكر رحمة اللّه لعبده زكريا « ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا » وهو يناجي ربه نجاء : « إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا » . . ويتكرر لفظ الرحمة ومعناها وظلها في ثنايا السورة كثيرا . ويكثر فيها اسم « الرَّحْمنِ » * . ويصور النعيم الذي يلقاه المؤمنون به في صورة ود : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا » ويذكر من نعمة اللّه على يحيى أن آتاه اللّه حنانا « وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا » . ومن نعمة اللّه على عيسى أن جعله برا بوالدته وديعا لطيفا : « وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا » . . وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية ودبيبها اللطيف في الكلمات والعبارات والظلال . كما تحس انتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك التي لا تطيقها فطرته . . كذلك تحس أن للسورة إيقاعا موسيقيا خاصا . فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء وفيه عمق : رضيا . سريا . حفيا . نجيا . . فأما المواضع التي تقتضي الشد والعنف ، فتجيء فيها الفاصلة مشددة دالا في الغالب . مدّا . ضدّا . إدّا ، هدّا ، أو زايا : عزّا . أزّا . وتنوع الإيقاع الموسيقي والفاصلة والقافية بتنوع الجو والموضوع يبدو جليا في هذه السورة « 1 » . فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى فتسير الفاصلة والقافية هكذا : « ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا . . . إلخ » . وتليها قصة مريم وعيسى فتسير الفاصلة والقافية على النظام نفسه : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا . فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا . . . إلخ » إلى أن ينتهي القصص ، ويجيء التعقيب ، لتقرير حقيقة عيسى ابن مريم ، وللفصل في قضية بنوته . فيختلف نظام الفواصل والقوافي . . تطول الفاصلة ، وتنتهي القافية بحرف الميم أو النون المستقر الساكن عند الوقف لا بالياء الممدودة الرخية . على النحو التالي : « ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ . ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ . . . إلخ » .

--> ( 1 ) يراجع هذا الموضوع بتوسع في فصل التناسق الفني في القرآن في كتاب : التصوير الفني في القرآن « دار الشروق » .