سيد قطب

1878

في ظلال القرآن

أي من استحق عذاب اللّه حسب سنته . « وَمَنْ آمَنَ » . . من غير أهلك . « وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ » . . « وَقالَ : ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها » . . فنفذ الأمر وحشر من حشر وما حشر . « وَقالَ : ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها » . . وهذا تعبير عن تسليمها للمشيئة في جريانها ورسوها ، فهي في رعاية اللّه وحماه . . وما ذا يملك البشر من أمر الفلك في اللجة الطاغية بله الطوفان ؟ ! ثم يأتي المشهد الهائل المرهوب : مشهد الطوفان : « وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ ، وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ - وَكانَ فِي مَعْزِلٍ - يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ، قالَ . سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ . قالَ : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ . وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ » . . إن الهول هنا هولان . هول في الطبيعة الصامتة ، وهول في النفس البشرية يلتقيان : « وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ » . . وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح ، فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم ، وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة ، ويروح يهتف بالولد الشارد : « يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ » . . ولكن البنوة العاقة لا تحفل بالأبوة الملهوفة ، والفتوة المغرورة لا تقدر مدى الهول الشامل : « قال : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء » . . ثم ها هي ذي الأبوة المدركة لحقيقة الهول وحقيقة الأمر ترسل النداء الأخير : « قالَ : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ » . لا جبال ولا مخابئ ولا حام ولا واق . إلا من رحم اللّه . وفي لحظة تتغير صفحة المشهد . فها هو ذا الموج الغامر يبتلع كل شيء : « وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ » . . وإننا بعد آلاف السنين ، لنمسك أنفاسنا - ونحن نتابع السياق - والهول يأخذنا كأننا نشهد المشهد . وهي تجري بهم في موج كالجبال ، ونوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء . وابنه الفتى المغرور يأبى إجابة الدعاء ، والموجة الغامرة تحسم الموقف في سرعة خاطفة راجفة وينتهي كل شيء ، وكأن لم يكن دعاء ولا جواب ! وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية - بين الوالد والمولود - كما يقاس بمداه في الطبيعة ، والموج يطغى على الذرى بعد الوديان . وإنهما لمتكافئان ، في الطبيعة الصامتة وفي نفس الإنسان . وتلك سمة بارزة في تصوير القرآن .