سيد قطب

2278

في ظلال القرآن

وهناك روايات كثيرة عن ابن عباس وعن غيره في هذه القصة . ونحن نقف عند نصوص القصة في القرآن . لنعيش « في ظلال القرآن » ونعتقد أن لعرضها في القرآن على النحو الذي عرضت به ، دون زيادة ، ودون تحديد للمكان والزمان والأسماء ، حكمة خاصة . فنقف نحن عند النص القرآني نتملاه « 1 » . . « وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ : لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً » . . والأرجح - واللّه أعلم - أنه مجمع البحرين : بحر الروم وبحر القلزم . أي البحر الأبيض والبحر الأحمر . . ومجمعهما مكان التقائهما في منطقة البحيرات المرة وبحيرة التمساح . أو أنه مجمع خليجي العقبة والسويس في البحر الأحمر . فهذه المنطقة كانت مسرح تاريخ بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر . وعلى أي فقد تركها القرآن مجملة فنكتفي بهذه الإشارة « 2 » . ونفهم من سياق القصة فيما بعد - أنه كان لموسى - عليه السلام - هدف من رحلته هذه التي اعتزمها ، وأنه كان يقصد من ورائها أمرا ، فهو يعلن تصميمه على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة ، ومهما يكن الزمن الذي ينفقه في الوصول . وهو يعبر عن هذا التصميم بما حكاه القرآن من قوله : « أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً » والحقب قيل عام ، وقيل ثمانون عاما . على أية حال فهو تعبير عن التصميم ، لا عن المدة على وجه التحديد . « فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً . فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ : آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً . قالَ : أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً . . » . . والأرجح كذلك أن هذا الحوت كان مشوبا ، وأن إحياءه واتخاذه سبيله في البحر سربا كان آية من آيات اللّه لموسى ، يعرف بهما موعده ، بدليل عجب فتاه من اتخاذه سبيله في البحر ، ولو كان يعني أنه سقط منه فغاص في البحر ما كان في هذا عجب . ويرجح هذا الوجه أن الرحلة كلها مفاجئات غيبية . فهذه إحداها . وأدرك موسى أنه جاوز الموعد الذي حدده ربه له للقاء عبده الصالح . وأنه هنالك عند الصخرة ثم عاد على أثره هو وفتاه فوجداه : « قالَ : ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ . فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً . فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً » . . ويبدو أن ذلك اللقاء كان سر موسى وحده مع ربه ، فلم يطلع عليه فتاه حتى لقياه . ومن ثم ينفرد موسى والعبد الصالح في المشاهد التالية للقصة : « قالَ لَهُ مُوسى : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ؟ » .

--> ( 1 ) أورد البخاري عند الكلام عن هذه القصة في القرآن : « حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو بن دينار ، أخبرني سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر عليه السلام ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل . وقال ابن عباس : كذب عدو اللّه . حدثنا أبي بن كعب - رضي اللّه عنه - أنه سمع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل ، فسئل أي الناس أعلم ؟ قال : أنا فعتب اللّه عليه إذ لم يرد العلم إليه ، فأوحى اللّه إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى : يا ربّ وكيف لي به ؟ قال تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل ، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم » . . ( 2 ) ورد أن قتادة وغير واحد قال : هما بحر فارس مما يلي المشرق وبحر الروم مما يلي المغرب . وقال محمد بن كعب القرظي : مجمع البحرين عند طنجة يعني في أقصى بلاد المغرب . . ونحن نستبعد القولين . .