سيد قطب

2268

في ظلال القرآن

الذين يغفلون عن ذكر اللّه . ثم يضرب للفريقين مثلا رجلين : أحدهما يعتز بما أوتي من مال وعزة ومتاع . والآخر يعتز بالإيمان الخالص ، ويرجو عند ربه ما هو خير . ثم يعقب بمثل يضرب للحياة الدنيا كلها ، فإذا هي قصيرة زائلة كالهشيم تذروه الرياح . وينتهي من ذلك كله بتقرير الحقيقة الباقية : « الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا » . . « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ، وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً . وَقُلِ : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ . فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ . وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ » . . يروى أنها نزلت في أشراف قريش ، حين طلبوا إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يطرد فقراء المؤمنين من أمثال بلال وصهيب وعمار وخباب وابن مسعود إذا كان يطمع في إيمان رؤوس قريش . أو أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس هؤلاء النفر ، لأن عليهم جبابا تفوح منها رائحة العرق ، فتؤذي السادة من كبراء قريش ! ويروى أن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - طمع في إيمانهم فحدثته نفسه فيما طلبوا إليه . فأنزل اللّه عزّ وجل : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ . . . » أنزلها تعلن عن القيم الحقيقية ، وتقيم الميزان الذي لا يخطئ . وبعد ذلك « فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ » فالإسلام لا يتملق أحدا ، ولا يزن الناس بموازين الجاهلية الأولى ، ولا أية جاهلية تقيم للناس ميزانا غير ميزانه . « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ » . . لا تمل ولا تستعجل « مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » . . فاللّه غايتهم ، يتجهون إليه بالغداة والعشي ، لا يتحولون عنه ، ولا يبتغون إلا رضاه . وما يبتغونه أجل وأعلى من كل ما يبتغيه طلاب الحياة . اصبر نفسك مع هؤلاء . صاحبهم وجالسهم وعلمهم . ففيهم الخير ، وعلى مثلهم تقوم الدعوات . فالدعوات لا تقوم على من يعتنقونها لأنها غالبة ؛ ومن يعتنقونها ليقودوا بها الأتباع ؛ ومن يعتنقونها ليحققوا بها الأطماع ، وليتجروا بها في سوق الدعوات تشترى منهم وتباع ! إنما تقوم الدعوات بهذه القلوب التي تتجه إلى اللّه خالصة له ، لا تبغي جاها ولا متاعا ولا انتفاعا ، إنما تبتغي وجهه وترجو رضاه . « وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا » . . ولا يتحول اهتمامك عنهم إلى مظاهر الحياة التي يستمتع بها أصحاب الزينة . فهذه زينة الحياة « الدُّنْيا » لا ترتفع إلى ذلك الأفق العالي الذي يتطلع إليه من يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه . « وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ، وَاتَّبَعَ هَواهُ ، وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً » . . لا تطعهم فيما يطلبون من تمييز بينهم وبين الفقراء . فلو ذكروا اللّه لطامنوا من كبريائهم ، وخففوا من غلوائهم ، وخفضوا من تلك الهامات المتشامخة ، واستشعروا جلال اللّه الذي تتساوى في ظله الرؤوس ؛ وأحسوا رابطة العقيدة التي يصبح بها الناس إخوة . ولكنهم إنما يتبعون أهواءهم . أهواء الجاهلية . ويحكمون مقاييسها في العباد . فهم وأقوالهم سفه ضائع لا يستحق إلا الإغفال جزاء ما غفلوا عن ذكر اللّه . لقد جاء الإسلام ليسوي بين الرؤوس أمام اللّه . فلا تفاضل بينها بمال ولا نسب ولا جاه . فهذه قيم زائفة ،