سيد قطب
1874
في ظلال القرآن
السطحية التي يقيسون بها . وفي الوقت ذاته يقرر لهم المبدأ العظيم القويم . مبدأ الاختيار في العقيدة ، والاقتناع بالنظر والتدبر ، لا بالقهر والسلطان والاستعلاء ! « وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا ، إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ، إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ » . يا قوم إن الذين تدعونهم أراذل قد دعوتهم فآمنوا ، وليس لي عند الناس إلا أن يؤمنوا . إنني لا أطلب مالا على الدعوة ، حتى أكون حفيا بالأثرياء غير حفي بالفقراء ؛ فالناس كلهم عندي سواء . . ومن يستغن عن مال الناس يتساو عنده الفقراء والأغنياء . . « إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ » . . عليه وحده دون سواه . « وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا » . . ونفهم من هذا الرد أنهم طلبوا أو لوحوا له بطردهم من حوله ، حتى يفكروا هم في الإيمان به ، لأنهم يستنكفون أن يلتقوا عنده بالأراذل ، أو أن يكونوا وإياهم على طريق واحد ! - لست بطاردهم ، فهذا لا يكون مني . لقد آمنوا وأمرهم بعد ذلك إلى اللّه لا لي : « إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ » . . « وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ » . . تجهلون القيم الحقيقية التي يقدر بها الناس في ميزان اللّه . وتجهلون أن مرد الناس كلهم إلى اللّه . « وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ » . . فهناك اللّه . رب الفقراء والأغنياء . رب الضعفاء والأقوياء . هناك اللّه يقوّم الناس بقيم أخرى . ويزنهم بميزان واحد . هو الإيمان . فهؤلاء المؤمنون في حماية اللّه ورعايته . « وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ ؟ » . . من يعصمني من اللّه إن أنا أخللت بموازينه ، وبغيت على المؤمنين من عباده - وهم أكرم عليه - وأقررت القيم الأرضية الزائفة التي أرسلني اللّه لأعدّ لها لا لأتبعها ؟ « أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ » . . وقد أنساكم ما أنتم فيه ميزان الفطرة السليمة القويمة ؟ ثم يقدم لهم شخصه ورسالته مجردين عن كل زخرف وكل طلاء وكل قيمة من تلك القيم العرضية الزائفة . يقدمها لهم في معرض التذكير ، ليقرر لهم القيم الحقيقية ، ويزدري أمامهم القيم الظاهرية ، بتخلية عنها ، وتجرده منها . فمن شاء الرسالة كما هي ، بقيمها ، بدون زخرف ، بدون ادعاء ، فليتقدم إليها مجردة خالصة للّه : « وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ . . » فأدعي الثراء أو القدرة على الإثراء . . . « وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ » . . فأدعي قدرة ليست للبشر أو صلة باللّه غير صلة الرسالة . . « وَلا أَقُولُ : إِنِّي مَلَكٌ » . .