سيد قطب
2251
في ظلال القرآن
الرسول أن يقترح على ربه ما لم يصرح له به . . « قُلْ : سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا » يقف عند حدود بشريته ، ويعمل وفق تكاليف رسالته ، لا يقترح على اللّه ولا يتزيد فيما كلفه إياه . ولقد كانت الشبهة التي عرضت للأقوام من قبل أن يأتيهم محمد - صلى اللّه عليه وسلم - ومن بعد ما جاءهم ، والتي صدتهم عن الإيمان بالرسل وما معهم من الهدى ، أنهم استبعدوا أن يكون الرسول بشرا ؛ ولا يكون ملكا : « وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا : أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ؟ » وقد نشأ هذا الوهم من عدم إدراك الناس لقيمة بشريتهم وكرامتها على اللّه ، فاستكثروا على بشر أن يكون رسولا من عند اللّه . كذلك نشأ هذا الوهم من عدم إدراكهم لطبيعة الكون وطبيعة الملائكة ، وأنهم ليسوا مهيئين للاستقرار في الأرض وهم في صورتهم الملائكية حتى يميزهم الناس ويستيقنوا أنهم ملائكة . « قُلْ : لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا » . فلو قدر اللّه أن الملائكة تعيش في الأرض لصاغهم في صورة آدمية ، لأنها الصورة التي تنفق مع نواميس الخلق وطبيعة الأرض ، كما قال في آية أخرى : « وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا » واللّه قادر على كل شيء ، ولكنه خلق نواميس وبرأ مخلوقاته وفق هذه النواميس بقدرته واختياره ، وقدر أن تمضي النواميس في طريقها لا تتبدل ولا تتحول ، لتحقق حكمته في الخلق والتكوين - غير أن القوم لا يدركون ! وما دامت هذه سنة اللّه في خلقه ، فهو يأمر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن ينهي معهم الجدل ، وأن يكل أمره وأمرهم إلى اللّه يشهده عليهم ، ويدع له التصرف في أمرهم ، وهو الخبير البصير بالعباد جميعا : « قُلْ : كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً » . . وهو قول يحمل رائحة التهديد . أما عاقبته فيرسمها في مشهد من مشاهد القيامة مخيف : « وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ ، وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ، مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً . ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا ، وَقالُوا : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ؟ أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ؟ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ ، فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً » . . ولقد جعل اللّه للهدى وللضلال سننا ، وترك الناس لهذه السنن يسيرون وفقها ، ويتعرضون لعواقبها . ومن هذه السنن أن الإنسان مهيأ للهدى وللضلال ، وفق ما يحاوله لنفسه من السير في طريق الهدى أو طريق الضلال . فالذي يستحق هداية اللّه بمحاولته واتجاهه يهديه اللّه ؛ وهذا هو المهتدي حقا ، لأنه اتبع هدى اللّه . والذين يستحقون الضلال بالإعراض عن دلائل الهدى وآياته لا يعصمهم أحد من عذاب اللّه : « فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ » ويحشرهم يوم القيامة في صورة مهينة مزعجة : « عَلى وُجُوهِهِمْ » يتكفئون « عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا » مطموسين محرومين من جوارحهم التي تهديهم في هذا الزحام . جزاء ما عطلوا هذه الجوارح في الدنيا عن إدراك دلائل الهدى . و « مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ » في النهاية ، لا تبرد ولا تفتر « كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً » . وهي نهاية مفزعة وجزاء مخيف . ولكنهم يستحقونه بكفرهم بآيات اللّه : « ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا » واستنكروا البعث واستبعدوا وقوعه : « وَقالُوا : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ؟ »