سيد قطب
2236
في ظلال القرآن
انتهى الدرس السابق بتقرير أن اللّه وحده هو المتصرف في مصائر العباد ، إن شاء رحمهم وإن شاء عذبهم ؛ وأن الآلهة التي يدعونها من دونه لا تملك كشف الضر عنهم ولا تحويله إلى سواهم . فالآن يستطرد السياق إلى بيان المصير النهائي للبشر جميعا - كما قدره اللّه في علمه وقضائه - وهو انتهاء القرى جميعها إلى الموت والهلاك قبل يوم القيامة ، أو وقوع العذاب ببعضها إن ارتكبت ما يستحق العذاب . فلا يبقى حي إلا ويلاقي نهايته على أي الوجهين : الهلاك حتف أنفه أو الهلاك بالعذاب . وبمناسبة ذكر العذاب الذي يحل ببعض القرى يشير السياق إلى ما كان يسبقه من الخوارق على أيدي الرسل - قبل رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم - هذه الخوارق التي امتنعت في هذه الرسالة ، لأن الأولين الذين جاءتهم كذبوا بها ولم يهتدوا فحق عليهم الهلاك . والهلاك لم يقدر على أمة محمد لذلك لم يرسله بالخوارق المادية ، وما كانت الخوارق إلا تخويفا للأمم الخالية مما يحل بها من الهلاك إذا كذبت بعد مجيئها . وقد كف اللّه الناس عن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وعصمه منهم فلا يصلون إليه . وأراه الرؤيا الصادقة في الإسراء لتكون ابتلاء للناس ، ولم يتخذ منها خارقة كخوارق الرسالات من قبل ، وخوفهم الشجرة الملعونة في القرآن - شجرة الزقوم - التي رآها في أصل الجحيم ، فلم يزدهم التخويف إلا طغيانا . وإذن فما كانت الخوارق إلا لتزيدهم طغيانا . وفي هذا الموضع من السياق تجيء قصة إبليس مع آدم ، وإذن اللّه لإبليس في ذرية آدم إلا الصالحين من عباده فقد عصمهم من سلطانه وإغوائه . . فتكشف القصة عن أسباب الغواية الأصيلة التي تقود الناس إلى الكفر والطغيان ، وتبعدهم عن تدبر الآيات .