سيد قطب
2230
في ظلال القرآن
« أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً ؟ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً ؟ » استفهام للاستنكار والتهكم . استنكار لما يقولون من أن الملائكة بنات اللّه ، تعالى اللّه عن الولد والصاحبة كما تعالى عن الشبيه والشريك . وتهكم على نسبة البنات للّه وهم يعدون البنات أدنى من البنين ويقتلون البنات خوف الفقر أو العار ؛ ومع هذا يجعلون الملائكة إناثا ، وينسبون هؤلاء الإناث إلى اللّه ! فإذا كان اللّه هو واهب البنين والبنات ، فهل أصفاهم بالبنين المفضلين واتخذ لنفسه الإناث المفضولات ؟ ! وهذا كله على سبيل مجاراتهم في ادعاءاتهم لبيان ما فيها من تفكك وتهافت . وإلا فالقضية كلها مستنكرة من الأساس : « إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً » . . عظيما في شناعته وبشاعته ، عظيما في جرأته ووقاحته ، عظيما في ضخامة الافتراء فيه ، عظيما في خروجه عن التصور والتصديق . « وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا ، وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً » . . فقد جاء القرآن بالتوحيد ، وسلك إلى تقرير هذه العقيدة وإيضاحها طرقا شتى ، وأساليب متنوعة ، ووسائل متعددة « لِيَذَّكَّرُوا » فالتوحيد لا يحتاج إلى أكثر من التذكر والرجوع إلى الفطرة ومنطقها ، وإلى الآيات الكونية ودلالتها ؛ ولكنهم يزيدون نفورا كلما سمعوا هذا القرآن . نفورا من العقيدة التي جاء بها ، ونفورا من القرآن ذاته خيفة أن يغلبهم على عقائدهم الباطلة التي يستمسكون بها . عقائد الشرك والوهم والترهات . وكما جاراهم في ادعاءاتهم في حكاية البنات ونسبتها إلى اللّه ليكشف عما فيها من تفكك وتهافت ، فهو يجاريهم في حكاية الآلهة المدعاة ، ليقرر أن هذه الآلهة لو وجدت فإنها ستحاول أن تتقرب إلى اللّه ، وأن تجد لها وسيلة إليه وسبيلا : « قُلْ : لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ ، إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا » . . ولو - كما يقول النحاة - حرف امتناع لامتناع ، فالقضية كلها ممتنعة ، وليس هنالك آلهة مع اللّه - كما يقولون - والآلهة التي يدعونها إن هي إلا خلق من خلق اللّه سواء كانت نجما أو كوكبا ، إنسانا أو حيوانا ، نباتا أو جمادا . وهذه كلها تتجه إلى الخالق حسب ناموس الفطرة الكونية ، وتخضع للإرادة التي تحكمها وتصرفها ؛ وتجد طريقها إلى اللّه عن طريق خضوعها لناموسه وتلبيتها لإرادته : « إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا » . . وذكر العرش هنا يوحي بالارتفاع والتسامي على هذه الخلائق التي يدعون أنها آلهة « مع » اللّه . وهي تحت عرشه وليست معه . . ويعقب على ذلك بتنزيه اللّه في علاه : « سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً » . . ثم يرسم السياق للكون كله بما فيه ومن فيه مشهدا فريدا ، تحت عرش اللّه ، يتوجه كله إلى اللّه ، يسبح له ويجد الوسيلة إليه : « تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً » . . وهو تعبير تنبض به كل ذرة في هذا الكون الكبير ، وتنفض روحا حية تسبح اللّه . فإذا الكون كله حركة وحياة ، وإذا الوجود كله تسبيحة واحدة شجية رخية ، ترتفع في جلال إلى الخالق الواحد الكبير المتعال . وإنه لمشهد كوني فريد ، حين يتصور القلب . كل حصاة وكل حجر . كل حبة وكل ورقة . كل زهرة وكل