سيد قطب
2195
في ظلال القرآن
بطون قريش ، وكان بياعا يبيع عند الصفا ، وربما كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء ، وذلك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية ، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه . وقال محمد بن إسحاق في السيرة : كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المروة إلى سبيعة . غلام نصراني يقال له : جبر . عبد لبعض بني الحضرمي ، فأنزل اللّه : « وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ . لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ » . وقال عبد اللّه بن كثير وعن عكرمة وقتادة كان اسمه « يعيش » . وروى ابن جرير - بإسناده - عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يعلم قنا بمكة وكان اسمه بلعام . وكان أعجمي اللسان ، وكان المشركون يرون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يدخل عليه ويخرج من عنده فقالوا : إنما يعلمه بلعام . فأنزل اللّه هذه الآية . . وأما ما كان فقد رد عليهم الرد البسيط الواضح الذي لا يحتاج إلى جدل : « لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ . وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ » فكيف يمكن لمن لسانه أعجمي أن يعلم محمدا هذا الكتاب العربي المبين ؟ وهذه المقالة منهم يصعب حملها على الجد ، وأغلب الظن أنها كيد من كيدهم الذي كانوا يدبرونه وهم يعلمون كذبه وافتراءه . وإلا فكيف يقولون - وهم أخبر بقيمة هذا الكتاب وإعجازه - إن أعجميا يملك أن يعلم محمدا هذا الكتاب . ولئن كان قادرا على مثله ليظهرن به لنفسه ! واليوم ، بعد ما تقدمت البشرية كثيرا ، وتفتقت مواهب البشر عن كتب ومؤلفات ، وعن نظم وتشريعات ؛ يملك كل من يتذوق القول ، وكل من يفقه أصول النظم الاجتماعية ، والتشريعات القانونية أن يدرك أن مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من عمل البشر . وحتى الماديون الملحدون في روسيا الشيوعية ، عندما أرادوا أن يطعنوا في هذا الدين في مؤتمر المستشرقين عام 1954 كانت دعواهم أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عمل فرد واحد - هو محمد - بل من عمل جماعة كبيرة . وأنه لا يمكن أن يكون قد كتب في الجزيرة العربية بل إن بعض أجزائه كتب خارجها ! ! ! دعاهم إلى هذا استكثار هذا الكتاب على موهبة رجل واحد . وعلى علم أمة واحدة . ولم يقولوا ما يوحي به المنطق الطبيعي المستقيم : إنه من وحي رب العالمين . لأنهم ينكرون أن يكون لهذا الوجود إله ، وأن يكون هناك وحي ورسل ونبوات ! فكيف كان يمكن - وهذا رأي جماعة من العلماء في القرن العشرين - أن يعلمه بشر لسانه أعجمي عبد لبني فلان في الجزيرة العربية ؟ ! ويعلل القرآن هذه المقولة الضالة فيقول : « إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » . . فهؤلاء الذين لم يؤمنوا بآيات اللّه لم يهدهم اللّه إلى الحقيقة في أمر هذا الكتاب ، ولا يهديهم إلى الحقيقة في شيء ما . بكفرهم وإعراضهم عن الآيات المؤدية إلى الهدى « وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » بعد ذلك الضلال المقيم . ثم يثني بأن الافتراء على اللّه لا يصدر إلا من مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون . ولا يمكن أن يصدر من الرسول الأمين :