سيد قطب
2190
في ظلال القرآن
وفيه بيان الجزاء المقرر لنقض العهد واتخاذ الأيمان للخداع والتضليل ، وهو العذاب العظيم . والبشرى للذين صبروا وتوفيتهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون . ثم يذكر بعض آداب قراءة هذا الكتاب . وهو الاستعاذة باللّه من الشيطان الرجيم ، لطرد شبحه من مجلس القرآن الكريم . كما يذكر بعض تقولات المشركين عن هذا الكتاب . فمنهم من يرمي الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بافترائه على اللّه . ومنهم من يقول : إن غلاما أعجميا هو الذي يعلمه هذا القرآن ! وفي نهاية الدرس يبين جزاء من يكفر بعد إيمانه ، ومن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ومن فتنوا عن دينهم ثم هاجروا وجاهدوا وصبروا . . وكل أولئك تبيان ، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين . « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ . يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ ، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ . وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ، تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ ، إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ، وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » . . لقد جاء هذا الكتاب لينشئ أمة وينظم مجتمعا ، ثم لينشئ عالما ويقيم نظاما . جاء دعوة عالمية إنسانية لا تعصب فيها لقبيلة أو أمة أو جنس ؛ إنما العقيدة وحدها هي الآصرة والرابطة والقومية والعصبية . ومن ثم جاء بالمبادئ التي تكفل تماسك الجماعة والجماعات ، واطمئنان الأفراد والأمم والشعوب ، والثقة بالمعاملات والوعود والعهود : جاء « بِالْعَدْلِ » الذي يكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم قاعدة ثابتة للتعامل ، لا تميل مع الهوى ، ولا تتأثر بالود والبغض ، ولا تتبدل مجاراة للصهر والنسب ، والغنى والفقر ، والقوة والضعف . إنما تمضي في طريقها تكيل بمكيال واحد للجميع ، وتزن بميزان واحد للجميع . وإلى جوار العدل . . « الْإِحْسانِ » . . يلطف من حدة العدل الصارم الجازم ، ويدع الباب مفتوحا لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه إيثارا لود القلوب ، وشفاء لغل الصدور . ولمن يريد أن ينهض بما فوق العدل الواجب عليه ليداوي جرحا أو يكسب فضلا . والإحسان أوسع مدلولا ، فكل عمل طيب إحسان ، والأمر بالإحسان يشمل كل عمل وكل تعامل ، فيشمل محيط الحياة كلها في علاقات العبد بربه ، وعلاقاته بأسرته ، وعلاقاته بالجماعة ، وعلاقاته بالبشرية جميعا « 1 » . ومن الإحسان « إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى » إنما يبرز الأمر به تعظيما لشأنه ، وتوكيدا عليه . وما يبني هذا على عصبية الأسرة ، إنما يبنيه على مبدأ التكافل الذي يتدرج به الإسلام من المحيط المحلي إلى المحيط العام . وفق نظريته التنظيمية لهذا التكافل « 2 » .
--> ( 1 ) بعض التفاسير تقول : إن العدل هو الواجب والإحسان هو الندب في العبادات خاصة . استنادا إلى أن هذه الآية مكية ، ولم يكن التشريع قد نزل بعد . ولكن عموم اللفظ يطلق مفهوم العدل ومفهوم الإحسان . فضلا على أن العدل والإحسان مبدءان عامان من الناحية الأخلاقية البحتة ، وليسا مجرد تشريع قانوني . . ( 2 ) فصل التكافل الاجتماعي في كتاب « دراسات إسلامية » . « دار الشروق » .