سيد قطب
2185
في ظلال القرآن
يستمر السياق في هذا الدرس في استعراض دلائل الألوهية الواحدة التي يتكئ عليها في هذه السورة : عظمة الخلق ، وفيض النعمة وإحاطة العلم . غير أنه يركز في هذا الشوط على قضية البعث . والساعة أحد أسرار الغيب الذي يختص اللّه بعلمه فلا يطلع عليه أحدا . وموضوعات هذا الدرس تشمل ألوانا من أسرار غيب اللّه في السماوات والأرض ، وفي الأنفس والآفاق . غيب الساعة . التي لا يعلمها إلا اللّه وهو عليها قادر وهي عليه هينة : « وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ » . . وغيب الأرحام واللّه وحده هو الذي يخرج الأجنة من هذا الغيب . لا تعلم شيئا ، ثم ينعم على الناس بالسمع والأبصار والأفئدة لعلهم يشكرون نعمته . . وغيب أسرار الخلق يعرض منها تسخير الطير في جو السماء ما يمسكهن إلا اللّه . يلي هذا في الدرس استعراض لبعض نعم اللّه المادية على الناس وهي بجانب تلك الأسرار وفي جوها ، نعم السكن والهدوء والاستظلال . في البيوت المبنية والبيوت المتخذة من جلود الأنعام للظعن والإقامة ، والأثاث والمتاع من الأصواف والأوبار والأشعار . وهي كذلك الظلال والأكنان والسرابيل تقي الحر وتقي البأس في الحرب : « كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ » . ثم تفصيل لأمر البعث في مشاهد يعرض فيها المشركين وشركاءهم ، والرسل شهداء عليهم . والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - شهيدا على قومه . وبذلك تتم هذه الجولة في جو البعث والقيامة . « وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . . وقضية البعث إحدى قضايا العقيدة التي لقيت جدلا شديدا في كل عصر ، ومع كل رسول . وهي غيب من غيب اللّه الذي يختص بعلمه . « وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » وإن البشر ليقفون أمام أستار الغيب عاجزين قاصرين ، مهما يبلغ علمهم الأرضي ، ومهما تتفتح لهم كنوز الأرض وقواها المذخورة . وإن أعلم العلماء من بني البشر ليقف مكانه لا يدري ما ذا سيكون اللحظة التالية في ذات نفسه . أيرتد نفسه الذي خرج أم يذهب فلا يعود ! وتذهب الآمال بالإنسان كل مذهب ، وقدره كامن خلف ستار الغيب لا يدري متى يفجؤه ، وقد يفجؤه اللحظة . وإنه لمن رحمة اللّه بالناس أن يجهلوا ما وراء اللحظة الحاضرة ليؤملوا ويعملوا وينتجوا وينشئوا ، ويخلفوا وراءهم ما بدءوه يتمه الخلف حتى يأتيهم ما خبئ لهم خلف الستار الرهيب . والساعة من هذا الغيب المستور . ولو علم الناس موعدها لتوقفت عجلة الحياة ، أو اختلت ، ولما سارت الحياة وفق الخط الذي رسمته لها القدرة ، والناس يعدون السنين والأيام والشهور والساعات واللحظات لليوم الموعود ! « وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ » . . فهي قريب . ولكن في حساب غير حساب البشر المعلوم . وتدبير أمرها لا يحتاج إلى وقت . طرفة عين . فإذا هي حاضرة مهيأة بكل أسبابها « إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » وبعث هذه الحشود التي يخطئها الحصر والعد من الخلق ، وانتفاضها ، وجمعها ، وحسابها ، وجزاؤها . . كله هين على تلك القدرة التي تقول للشيء : كن . فيكون . إنما يستهول الأمر ويستصعبه من يحسبون بحساب البشر ، وينظرون بعين البشر ، ويقيسون بمقاييس البشر . . ومن هنا يخطئون التصور والتقدير ! ويقرب القرآن الأمر بعرض مثل صغير من حياة البشر ، تعجز عنه قواهم ويعجز عنه تصورهم ، وهو يقع في كل لحظة من ليل أو نهار : « وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . .