سيد قطب

1867

في ظلال القرآن

يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ . أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ، لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ . هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ؟ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ » . إن افتراء الكذب في ذاته جريمة نكراء ، وظلم للحقيقة ولمن يفتري عليه الكذب . فما بال حين يكون هذا الافتراء على اللّه ؟ « أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ، وَيَقُولُ الْأَشْهادُ : هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ » . إنه التشهير والتشنيع . بالإشارة : « هؤلاء » . . « هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا » . . وعلى من ؟ « عَلى رَبِّهِمْ » لا على أحد آخر ! إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في هذا المشهد ، تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة الجريمة : « أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ » . . يقولها الأشهاد كذلك . والأشهاد هم الملائكة والرسل والمؤمنون ، أو هم الناس أجمعون . فهو الخزي والتشهير - إذن - في ساحة العرض الحاشدة ! أو هو قرار اللّه سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك الخزي والتشهير على رؤوس الأشهاد : « أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ » . . والظالمون هم المشركون . وهم الذين يفترون الكذب على ربهم ليصدوا عن سبيل اللّه . « وَيَبْغُونَها عِوَجاً » . . فلا يريدون الاستقامة ولا الخطة المستقيمة ، إنما يريدونها عوجا والتواء وانحرافا . يريدون الطريق أو يريدون الحياة أو يريدون الأمور . . كلها بمعنى . . « وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ » ويكرر « هم » مرتين للتوكيد وتثبيت الجريمة وإبرازها في مقام التشهير . والذين يشركون باللّه - سبحانه - وهم الظالمون - إنما يريدون الحياة كلها عوجا حين يعدلون عن استقامة الإسلام . وما تنتج الدينونة لغير اللّه - سبحانه - إلا العوج في كل جانب من جوانب النفس ، وفي كل جانب من جوانب الحياة . إن عبودية الناس لغير اللّه سبحانه تنشئ في نفوسهم الذلة وقد أراد اللّه أن يقيمها على الكرامة . وتنشئ في الحياة الظلم والبغي وقد أراد اللّه أن يقيمها على القسط والعدل . وتحول جهود الناس إلى عبث في تأليه الأرباب الأرضية والطبل حولها والزمر ، والنفخ فيها دائما لتكبر حتى تملأ مكان الرب الحقيقي . ولما كانت هذه الأرباب في ذاتها صغيرة هزيلة لا يمكن أن تملأ فراغ الرب الحقيقي ، فإن عبادها المساكين يظلون في نصب دائب ، وهمّ مقعد مقيم ينفخون فيها ليل نهار ، ويسلطون عليها الأضواء والأنظار ، ويضربون حولها بالدفوف والمزامير والترانيم والتسابيح ، حتى يستحيل الجهد البشري كله من الإنتاج المثمر للحياة إلى هذا الكد البائس النكد وإلى هذا الهم المقعد المقيم . . فهل وراء ذلك عوج وهل وراء ذلك التواء ؟ ! « أولئك » . . البعداء المبعدون الملعونون . « لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ » . . فلم يكن أمرهم معجزا للّه ، ولو شاء لأخذهم بالعذاب في الدنيا . .