سيد قطب
2181
في ظلال القرآن
بين فرث ودم لم تكن معروفة لبشر ، وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلا على أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة . وما يملك إنسان يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل . ووجود حقيقة واحدة من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من اللّه بهذا القرآن . فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة . والقرآن - يعبر هذه الحقائق العلمية البحتة - يحمل أدلة الوحي من اللّه في خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه الخصائص ويقدرها ؛ ولكن ورود حقيقة واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين . « وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » . . هذه الثمرات المنبثقة عن الحياة التي بثها الماء النازل من السماء . تتخذون منه سكرا ( والسكر الخمر ولم تكن حرمت بعد ) ورزقا حسنا . والنص يلمح إلى أن الرزق الحسن غير الخمر وأن الخمر ليست رزقا حسنا ، وفي هذا توطئة لما جاء بعد من تحريمها ، وإنما كان يصف الواقع في ذلك الوقت من اتخاذهم الخمر من ثمرات النخيل والأعناب ، وليس فيه نص بحلها ، بل فيه توطئة لتحريمها « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » . . فيدركون أن من يصنع هذا الرزق هو الذي يستحق العبودية له وهو اللّه . . « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ، وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » . . والنحل تعمل بإلهام من الفطرة التي أودعها إياها الخالق ، فهو لون من الوحي تعمل بمقتضاه . وهي تعمل بدقة عجيبة يعجز عن مثلها العقل المفكر سواء في بناء خلاياها ، أو في تقسيم العمل بينها ، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى . وهي تتخذ بيوتها - حسب فطرتها - في الجبال والشجر وما يعرشون أي ما يرفعون من الكروم وغيرها - وقد ذلل اللّه لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق . والنص على أن العسل فيه شفاء للناس قد شرحه بعض المختصين في الطب . شرحا فنيا « 1 » . وهو ثابت بمجرد نص القرآن عليه . وهكذا يجب أن يعتقد المسلم استنادا إلى الحق الكلي الثابت في كتاب اللّه ؛ كما أثر عن رسول اللّه . روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رجلا جاء إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : إن أخي استطلق بطنه ، فقال له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « اسقه عسلا » فسقاه عسلا . ثم جاء فقال : يا رسول اللّه سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا . قال : « اذهب فاسقه عسلا » فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال : يا رسول اللّه ما زاده ذلك إلا استطلاقا . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « صدق اللّه وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلا » فذهب فسقاه عسلا فبرئ . ويروعنا في هذا الأثر يقين الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أمام ما بدا واقعا عمليا من استطلاق بطن الرجل كلما سقاه أخوه . وقد انتهى هذا اليقين بتصديق الواقع له في النهاية . وهكذا يجب أن يكون يقين المسلم بكل قضية وبكل حقيقة وردت في كتاب اللّه . مهما بدا في ظاهر الأمر أن ما يسمى الواقع يخالفها . فهي أصدق من ذلك الواقع الظاهري ، الذي ينثني في النهاية ليصدقها . .
--> ( 1 ) الدكتور عبد العزيز إسماعيل في كتابه : « الإسلام والطب الحديث » .