سيد قطب

2171

في ظلال القرآن

جاءت بها رسله ، يثوب إليه العقل كلما غم عليه الأمر ، ليتأكد من صواب تقديره أو خطئه عن طريق الميزان الثابت الذي لا تعصف به الأهواء . ولم يجعل الرسل جبارين يلوون أعناق الناس إلى الإيمان ، ولكن مبلغين ليس عليهم إلا البلاغ ، يأمرون بعبادة اللّه وحده واجتناب كل ما عداه من وثنية وهوى وشهوة وسلطان : « وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ » . . ففريق استجاب : « فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ » وفريق شرد في طريق الضلال « وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ » . . وهذا الفريق وذلك كلاهما لم يخرج على مشيئة اللّه ، وكلاهما لم يقسره اللّه قسرا على هدى أو ضلال ، إنما سلك طريقه الذي شاءت إرادة اللّه أن تجعل إرادته حرة في سلوكه ، بعد ما زودته بمعالم الطريق في نفسه وفي الآفاق . كذلك ينفي القرآن الكريم بهذا النص وهم الإجبار الذي لوح به المشركون ، والذي يستند إليه كثير من العصاة والمنحرفين . والعقيدة الإسلامية عقيدة ناصعة واضحة في هذه النقطة . فاللّه يأمر عباده بالخير وينهاهم عن الشر ، ويعاقب المذنبين أحيانا في الدنيا عقوبات ظاهرة يتضح فيها غضبه عليهم . فلا مجال بعد هذا لأن يقال : إن إرادة اللّه تتدخل لترغمهم على الانحراف ثم يعاقبهم عليه اللّه ! إنما هم متروكون لاختيار طريقهم وهذه هي إرادة اللّه . وكل ما يصدر عنهم من خير أو شر . من هدى ومن ضلال . يتم وفق مشيئة اللّه على هذا المعنى الذي فصلناه . ومن ثم يعقب على هذا بخطاب إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يقرر سنة اللّه في الهدى والضلال : « إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ » . فليس الهدى أو الضلال بحرص الرسول على هدى القوم أو عدم حرصه ، فوظيفته البلاغ . أما الهدى أو الضلال فيمضي وفق سنة اللّه وهذه السنة لا تتخلف ولا تتغير عواقبها ، فمن أضله اللّه لأنه استحق الضلال وفق سنة اللّه ، فإن اللّه لا يهديه ، لأن للّه سننا تعطي نتائجها . وهكذا شاء . واللّه فعال لما يشاء . « وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ » ينصرونهم من دون اللّه . ومقولة ثالثة من مقولات المنكرين المستكبرين : « وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ . بَلى . وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ . إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ : كُنْ . فَيَكُونُ » . . ولقد كانت قضية البعث دائما هي مشكلة العقيدة عند كثير من الأقوام منذ أن أرسل اللّه رسله للناس ، يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر ، ويخوفونهم حساب اللّه يوم البعث والحساب . وهؤلاء المشركون من قريش أقسموا باللّه جهد أيمانهم لا يبعث اللّه من يموت ! فهم يقرون بوجود اللّه ولكنهم ينفون عنه بعث الموتى من القبور . يرون هذا البعث أمرا عسيرا بعد الموت والبلى وتفرق الأشلاء والذرات ! .