سيد قطب

1864

في ظلال القرآن

إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة ؛ ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها . والذين يتلمسون معاني القرآن ودلالاته وهم قاعدون . يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئا في هذه القعدة الباردة الساكنة ؛ بعيدا عن المعركة وبعيدا عن الحركة . . إن حقيقة هذا القرآن لا تتكشف للقاعدين أبدا ، وإن سره لا يتجلى لمن يؤثرون السلامة والراحة مع العبودية لغير اللّه ، والدينونة للطاغوت من دون اللّه ! « أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ، وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ، وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً ؟ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ » . . وردت روايات شتى فيما هو المقصود بقوله تعالى : « أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ » . . وفي قوله تعالى : « وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ » . وفي عائد هذه الضمائر في : « ربه » وفي « يتلوه » وفي « منه » . . وأرجحها - كما يبدو لي - هو أن المقصود بقوله تعالى : « أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ » هو رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وبالتبعية له كل من يؤمن بما جاء به - وأن المقصود بقوله تعالى : « وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ » أي ويتبعه شاهد من ربه على نبوته ورسالته . وهو هذا القرآن الذي يشهد بذاته أنه وحي من اللّه لا يقدر عليه بشر . « وَمِنْ قَبْلِهِ » - أي من قبل هذا الشاهد وهو القرآن ؛ « كتاب موسى » يشهد كذلك بصدق النبي - صلى اللّه عليه وسلم - سواء بما تضمنه من البشارة به ؛ أو بموافقة أصله لما جاء به محمد من بعده . والذي يرجح هذا عندي هو وحدة التعبير القرآني في السورة - في تصوير ما بين الرسل الكرام وربهم ، من بينة يجدونها في أنفسهم ، يستيقنون معها أن اللّه هو الذي يوحي إليهم ، ويجدون بها ربهم في قلوبهم وجودا مستيقنا واضحا لا يخالجهم معه شك ولا ريبة . فنوح - عليه السلام - يقول لقومه : « يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ، أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ؟ » . . وصالح عليه السلام يقول الكلمة ذاتها : « قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من اللّه إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير » . . وشعيب عليه السلام يقولها كذلك : « قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، ورزقني منه رزقا . . » فهو تعبير موحد عن حال واحدة للرسل الكرام مع ربهم ، تصور حقيقة ما يجدونه في أنفسهم من رؤية قلبية مستيقنة لحقيقة الألوهية في نفوسهم ؛ ولصدق اتصال ربهم بهم عن طريق الوحي أيضا . . وهذا التوحيد في التعبير عن الحال الواحدة مقصود قصدا في سياق السورة - كما أسلفنا في التعريف بها - لإثبات أن شأن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - مع ربه ومع الوحي الذي تنزل عليه شأن سائر الرسل الكرام قبله ؛ مما يبطل دعاوى المشركين المفتراة عليه - صلى اللّه عليه وسلم - وكذلك لتثبيته هو والقلة المؤمنة معه على الحق الذي معهم ؛ فهو الحق الواحد الذي جاء به الرسل جميعا ، والذي أسلم عليه المسلمون من أتباع الرسل جميعا . ويكون المعنى الكلي للآية : أفهذا النبي الذي تتضافر الأدلة والشواهد على صدقه وصحة إيمانه ويقينه . . حيث يجد في نفسه بينة واضحة مستيقنة من ربه . وحيث يتبعه - أو يتبع يقينه هذا - شاهد من ربه هو هذا القرآن الدال بخصائصه على مصدره الرباني . وحيث يقوم على تصديقه شاهد آخر قبله ، هو كتاب موسى الذي جاء إماما لقيادة بني إسرائيل ورحمة من اللّه تنزلت عليهم . وهو يصدق رسول اللّه - صلى اللّه عليه