سيد قطب

2151

في ظلال القرآن

« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ . وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ « 1 » . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ » . . وهكذا صدق النذير ، وكان نزول الملائكة إيذانا بعذاب اللّه الذي لا يرد ولا يمهل ولا يحيد . كذلك كان الحال مع قوم شعيب - أصحاب الأيكة « 2 » - ومع قوم صالح - أصحاب الحجر : « وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ . وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ . وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ؛ وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ؛ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ؛ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » . . وقد فصل القرآن قصة شعيب مع قومه : أهل مدين وأصحاب الأيكة في مواضع أخرى . فأما هنا فيشير إشارة إلى ظلمهم وإلى مصرعهم تصديقا لنبأ العذاب ، في هذا الشوط ، ولإهلاك القرى بعد انقضاء الأجل المعلوم الوارد في مطالع السورة . ومدين والأيكة كانتا بالقرب من قرى لوط . والإشارة الواردة هنا . . « وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ . . » قد تعني مدين والأيكة ، فهما في طريق واضح غير مندثر ، وقد تعني قرى لوط السالفة الذكر وقرية شعيب ، جمعهما لأنهما في طريق واحد بين الحجاز والشام . ووقوع القرى الداثرة على الطريق المطروق أدعى إلى العبرة ، فهي شاهد حاضر يراه الرائح والغادي . والحياة تجري من حولها وهي داثرة كأن لم تكن يوما عامرة . والحياة لا تحفلها وهي ماضية في الطريق ! أما أصحاب الحجر فهم قوم صالح ، والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى ، وهي ظاهرة إلى اليوم . فقد نحتوها في الصخر في ذلك الزمان البعيد ، مما يدل على القوة والأيد والحضارة . « وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ » . . وهم لم يكذبوا سوى رسولهم صالح . ولكن صالحا ليس إلا ممثلا للرسل أجمعين ؛ فلما كذبه قومه قيل : إنهم كذبوا المرسلين . توحيدا للرسالة وللرسل وللمكذبين . في كل أعصار التاريخ ، وفي كل جوانب الأرض ، على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام . « وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ » . . وآية صالح كانت الناقة . ولكن الآيات في هذا الكون كثير . والآيات في هذه الأنفس كثير . وكلها معروضة للأنظار والأفكار . وليست الخارقة التي جاءهم بها صالح هي وحدها الآية التي آتاهم اللّه . وقد أعرضوا عن آيات اللّه كلها ، ولم يفتحوا لها عينا ولا قلبا ، ولم يستشعرها فيهم عقل ولا ضمير . « وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ، فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » . . وهذه اللمحة الخاطفة من الأمن في البيوت الحصينة في صلب الجبال ، إلى الصيحة التي تأخذهم فلا تبقي لهم مما جمعوا ومما كسبوا ومما بنوا ومما نحتوا شيئا يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف . . هذه اللمحة تلمس القلب البشري لمسة عنيفة . فما يأمن قوم على أنفسهم أكثر مما يأمن قوم بيوتهم منحوتة في صلب الصخور . وما يبلغ الاطمئنان بالناس في وقت أشد من اطمئنانهم في وقت الصباح المشرق الوديع . . وها هم أولاء

--> ( 1 ) طريق باق لم يندثر . ( 2 ) الشجر الملتف الكثيف . وقد أرسل شعيب إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل مدين .