سيد قطب
2144
في ظلال القرآن
- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا . . وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كانت تسمح بوجود هذا النوع . فلما تغيرت صارت صالحة لنشأة نوع آخر ، فنشأ . ومساعدة على انقراض النوع الذي كان عائشا من قبل في الظروف الأخرى ، فانقرض . « وعندئذ تكون نشأة النوع الإنساني نشأة مستقلة ، في الزمن الذي علم اللّه أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع . . وهذا ما ترجحه مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية . « وتفرد الإنسان من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعقلية والروحية . هذا التفرد الذي اضطر الداروينيون المحدثون - وفيهم الملحدون باللّه كلية - للاعتراف به ، دليل مرجح ( في مجال البحوث الإنسانية ) على تفرد النشأة الإنسانية ، وعدم تداخلها مع الأنواع الأخرى في تطور عضوي » . * هذه النشأة المتفردة للإنسان ، باحتوائها على هذه الخاصية المنشئة للوجود الإنساني المستقل . . خاصية النفخة من روح اللّه . . تجعل النظرة إلى هذا الإنسان و « مطالبه الأساسية » تختلف اختلافا أصيلا عن نظرة المذاهب المادية ، بكل إفرازاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وكل إفرازاتها في التصورات والقيم التي ينبغي أن تسود الحياة الإنسانية . إن الزعم بأن الإنسان مجرد حيوان متطور عن حيوان ! هي التي جعلت الإعلان الماركسي يذكر أن مطالب الإنسان الأساسية هي الطعام والشراب والمسكن والجنس ! فهذه فعلا هي مطالب الحيوان الأساسية ! ولا يكون الإنسان في وضع أحقر مما يكون وفق هذه النظرة ! ومن ثم تهدر كل حقوقه المترتبة على تفرده عن الحيوان بخصائصه الإنسانية . . تهدر حقوقه في الاعتقاد الديني . وتهدر حقوقه في حرية التفكير والرأي . وتهدر حقوقه في اختيار نوع العمل ، ومكان الإقامة . وتهدر حقوقه في نقد النظام السائد وأسسه الفكرية والمذهبية . بل تهدر حقوقه في نقد تصرفات « الحزب » ومن هم أقل من الحزب من الحكام المتسلطين في تلك الأنظمة البغيضة ، التي تحشر الأناسي حشرا ، وتسوقهم سوقا ، لأن هؤلاء « الأناسيّ » وفق الفلسفة المادية ليسوا سوى نوع من الحيوان تطور عن حيوان ! . . ثم يسمى ذلك النكد كله : « الاشتراكية العلمية » ! فأما النظرة الإسلامية إلى « الإنسان » - وهي تقوم على أساس تفرده بخصائصه الإنسانية إلى جانب ما يشارك فيه الحيوان من التكوين العضوي - فإنها منذ اللحظة الأولى تعتبر أن مطالب الإنسان الأساسية مختلفة وزائدة عن مطالب الحيوان الأساسية . فليس الطعام والشراب والمسكن والجنس هي كل مطالبه الأساسية . وليس ما وراءها من مطالب العقل والروح مطالب ثانوية ! . . إن العقيدة وحرية التفكير والإرادة والاختيار هي مطالب أساسية كالطعام والشراب والمسكن والجنس . . بل هي أعلى منها في الاعتبار ؛ لأنها هي المطالب الزائدة في الإنسان على الحيوان . أي المطالب المتعلقة بخصائصه التي تقرر إنسانيته ! والتي بإهدارها تهدر آدميته ! ومن ثم لا يجوز أن تهدر في النظام الإسلامي حرية الاعتقاد والتفكير والاختيار في سبيل « الإنتاج » وتوفير الطعام والشراب والمسكن والجنس للآدميين ! كما لا يجوز أن تهدر القيم الأخلاقية - كما يقررها اللّه للإنسان لا كما يقررها العرف والبيئة والاقتصاد - في سبيل توفير تلك المطالب الحيوانية . . إنهما نظرتان مختلفتان من الأساس في تقييم « الإنسان » و « مطالبه الأساسية » . . ومن ثم لا يمكن الجمع بينهما في نظام واحد على الإطلاق ! فإما الإسلام ، وإما المذاهب المادية بكل ما تفرزه من إفرازات نكدة . .