سيد قطب
2139
في ظلال القرآن
وهنا نصل إلى الأرض الصلبة التي نستوي عليها مطمئنين . . - لقد كان خلق الشيطان - من قبل - من نار السموم . فهو سابق إذن للإنسان في الخلق . هذا ما نعلمه . أما كيف هو وكيف كان خلقه . فذلك شأن آخر . ليس لنا أن نخوض فيه . إنما ندرك من صفاته بعض صفات نار السموم . ندرك من صفاته التأثير في عناصر الطين بحكم أنه من النار . والأذى والمسارعة فيه بحكم أنها نار السموم . ثم تنكشف لنا من ثنايا القصة صفة الغرور والاستكبار . وهي ليست بعيدة في التصور عن طبيعة النار ! ولقد كان خلق الإنسان من عناصر هذا الطين اللزج المتحول إلى صلصال ؛ ثم من النفخة العلوية التي فرقت بينه وبين سائر الأحياء ؛ ومنحته خصائصه الإنسانية ، التي أفردته منذ نشأته عن كل الكائنات الحية ؛ فسلك طريقا غير طريقها منذ الابتداء . بينما بقيت هي في مستواها الحيواني لا تتعداه ! هذه النفخة التي تصله بالملإ الأعلى ؛ وتجعله أهلا للاتصال باللّه ، وللتلقي عنه ؛ ولتجاوز النطاق المادي الذي تتعامل فيه العضلات والحواس ، إلى النطاق التجريدي الذي تتعامل فيه القلوب والعقول . والتي تمنحه ذلك السر الخفي الذي يسرب به وراء الزمان والمكان ، ووراء طاقة العضلات والحواس ، إلى ألوان من المدركات وألوان من التصورات غير محدودة في بعض الأحيان . ذلك كله مع ثقلة الطين في طبعه ، ومع خضوعه لضرورات الطين وحاجاته : من طعام وشراب ولباس وشهوات ونزوات . ومن ضعف وقصور وما ينشئه الضعف والقصور من تصورات ونزعات وحركات . . هذا مع أن هذا الكائن « مركّب » منذ البدء من هذين الأفقين اللذين لا ينفصلان فيه . طبيعته طبيعة « المركّب » لا طبيعة « المخلوط » أو « الممزوج ! » . . ولا بد من ملاحظة هذه الحقيقة ودقة تصورها كلما تحدثنا عن تركيب الإنسان من الطين ومن النفخة العلوية التي جعلت منه هذا المخلوق الفريد التكوين . . إنه لا انفصال بين هذين الأفقين في تكوينه ، ولا تصرف لأحدهما بدون الآخر في حالة واحدة من حالاته . إنه لا يكون طينا خالصا في لحظة ، ولا يكون روحا خالصا في لحظة ؛ ولا يتصرف تصرفا واحدا إلا بحكم تركيبه الذي لا يقع فيه الانفصال ! والتوازن بين خصائص العناصر الطينية فيه والعناصر العلوية هو الأفق الأعلى الذي يطلب إليه أن يبلغه ، وهو الكمال البشري المقدر له . فليس مطلوبا منه أن يتخلى عن طبيعة أحد عنصريه ومطالبه ليكون ملكا أو ليكون حيوانا . وليس واحد منهما هو الكمال المنشود للإنسان . والارتفاع الذي يخل بالتوازن المطلق نقص بالقياس إلى هذا المخلوق وخصائصه الأصيلة ، والحكمة التي من أجلها خلق على هذا النحو الخاص . والذي يحاول أن يعطل طاقاته الجسدية الحيوية هو كالذي يحاول أن يعطل طاقاته الروحية الطليقة . . كلاهما يخرج على سواء فطرته ؛ ويريد من نفسه ما لم يرده الخالق له . وكلاهما يدمر نفسه بتدمير ذلك المركب في كيانها الأصيل . وهو محاسب أمام اللّه على هذا التدمير . من أجل هذا أنكر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - على من أراد أن يترهبن فلا يقرب النساء ، ومن أراد أن يصوم الدهر فلا يفطر ، ومن أراد أن يقوم الليل فلا ينام . أنكر عليهم كما ورد في حديث عائشة - رضي اللّه عنها - وقال : « فمن رغب عن سنتي فليس مني » . وقد أقام الإسلام شريعته للإنسان على أساس تكوينه ذاك ؛ وأقام له عليها نظاما بشريا لا تدمر فيه طاقة واحدة من طاقات البشر . إنما قصارى هذا النظام أن يحقق التوازن بين هذه الطاقات ، لتعمل جميعها في غير طغيان ولا ضعف ؛ ولا اعتداء من إحداها على الأخرى . فكل اعتداء يقابله تعطيل . وكل طغيان يقابله تدمير .