سيد قطب

2137

في ظلال القرآن

« وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » . . ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره : « وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم . قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم ، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ » . . ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره . وسكنى آدم وزوجه الجنة . وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها . ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها ، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية ، واستغفارهما وتوبة اللّه عليهما . . . وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة اللّه عليهم والوفاء بعهده معهم ، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض ، وعهده معه ، والتجربة القاسية لأبي البشر . . وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها . حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي . ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه . وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود . . ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره . وطلبه من اللّه أن ينظره إلى يوم البعث ، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد . ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة ، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة . ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل ، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما ، وعتاب اللّه لآدم وزوجه ، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى : « قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون » . . ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى . وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار . ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار : « وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ . قالُوا : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ » . . وأسدل الستار . . فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم ، وسر الهدى والضلال ، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان . . ومن ثم نص ابتداء على خلق اللّه آدم من صلصال من حمأ مسنون ، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم . ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون . وطرده ولعنته . وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته . وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد اللّه المخلصين . إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون للّه . وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل . تبعا لنقطة التركيز في السياق ، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان ، وبيان مجال سلطة الشيطان . . فلنمض إلى مشاهد القصة في هذا المجال : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ . وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ » . . وفي هذا الافتتاح يقرر اختلاف الطبيعتين بين الصلصال - وهو الطين اليابس الذي يصلصل عند نقره ، المتخذ من الطين الرطب الآسن - والنار الموسومة بأنها شعواء سامة . . نار السموم . . وفيما بعد سنعلم أن طبيعة الإنسان قد دخل فيها عنصر جديد هو النفخة من روح اللّه ، أما طبيعة الشيطان فبقيت من نار السموم .