سيد قطب

2115

في ظلال القرآن

لشرائع من عند غير اللّه . ويدين في قيمه وموازينه الاجتماعية لتصورات واصطلاحات من صنع غير اللّه . ويدين في أخلاقه وتقاليده وعاداته وأزيائه لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والتقاليد والعادات والأزياء - مخالفة لشرع اللّه وأمره - إن هذا العبد يزاول الشرك في أخص حقيقته ؛ ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه في أخص حقيقتها . . وهذا ما يغفل عنه الناس اليوم فيزاولونه في ترخص وتميع ، وهم لا يحسبونه الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان ! والأصنام . . ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصور الأولية الساذجة . . فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت ، يتخفى وراءها لتعبيد الناس باسمها ، وضمان دينونتهم له من خلالها . . إن الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر . . إنما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها ؛ يتمتم حولها بالتعاويذ والرقى . . ثم ينطق باسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها ! فإذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق باسمها الحكام والكهان ، ويقررون باسمها ما لم يأذن به اللّه من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال . . . فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها ! إذا رفعت « القومية » شعارا ، أو رفع « الوطن » شعارا ، أو رفع « الشعب » شعارا ، أو رفعت « الطبقة » شعارا . . . ثم أريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون اللّه ؛ وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض . بحيث كلما تعارضت شريعة اللّه وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها ، نحيت شريعة اللّه وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه ، ونفذت إرادة تلك الشعارات - أو بالتعبير الصحيح الدقيق : إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات - كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون اللّه . . فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجر أو خشبة ؛ ولقد يكون الصنم مذهبا أو شعارا ! إن الإسلام لم يجئ لمجرد تحطيم الأصنام الحجرية والخشبية ! ولم تبذل فيه تلك الجهود الموصولة ، من موكب الرسل الموصول ؛ ولم تقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام ، لمجرد تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب ! إنما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطريق بين الدينونة للّه وحده في كل أمر وفي كل شأن ؛ وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة . . ولا بد من تتبع الهيئات والصور في كل وضع وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة ، وتقرير ما إذا كانت توحيدا أم شركا ؟ دينونة للّه وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام ! والذين يظنون أنفسهم في « دين اللّه » لأنهم يقولون بأفواههم « نشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه » ، ويدينون للّه فعلا في شؤون الطهارة والشعائر والزواج والطلاق والميراث . . بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن الضيق لغير اللّه ؛ ويخضعون لشرائع لم يأذن بها اللّه - وكثرتها مما يخالف مخالفة صريحة شريعة اللّه - ثم هم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وأخلاقهم - أرادوا أم لم يريدوا - ليحققوا ما تتطلبه منهم الأصنام الجديدة . فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأصنام ، نبذت أوامر اللّه فيها ونفذت مطالب هذه الأصنام . . . الذين يظنون أنفسهم « مسلمين » وفي « دين اللّه » وهذا حالهم . . عليهم أن يستفيقوا لما هم فيه من الشرك العظيم ! ! !