سيد قطب

2113

في ظلال القرآن

وليس بعيدا عن متناول القدرة . بل إنه لحاضر « عند اللّه » يفعل به كيفما يشاء . « فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ » . . فما لهذا المكر من أثر ، وما يعوق تحقيق وعد اللّه لرسله بالنصر وأخذ الماكرين أخذ عزيز مقتدر : « إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ » . . لا يدع الظالم يفلت ، ولا يدع الماكر ينجو . . وكلمة الانتقام هنا تلقي الظل المناسب للظلم والمكر ، فالظالم الماكر يستحق الانتقام ، وهو بالقياس إلى اللّه تعالى ، يعني تعذيبهم جزاء ظلمهم وجزاء مكرهم ، تحقيقا لعدل اللّه في الجزاء . وسيكون ذلك لا محالة : « يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ » . . ولا ندري نحن كيف يتم هذا ، ولا طبيعة الأرض الجديدة وطبيعة السماوات ، ولا مكانها ؛ ولكن النص يلقي ظلال القدرة القادرة التي تبدل الأرض وتبدل السماوات ؛ في مقابل ذلك المكر الذي مهما اشتد فهو ضئيل عاجز حسير . وفجأة نرى ذلك قد تحقق : « وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ » . . وأحسوا أنهم مكشوفون لا يسترهم ساتر ، ولا يقيهم واق . ليسوا في دورهم وليسوا في قبورهم . إنما هم في العراء أمام الواحد القهار . . ولفظة « القهار » هنا تشترك في ظل التهديد بالقوة القاهرة التي لا يقف لها كيد الجبابرة . وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال . ثم ها نحن أولاء أمام مشهد من مشاهد العذاب العنيف القاسي المذل ، يناسب ذلك المكر وذلك الجبروت : « وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ » . . فمشهد المجرمين : اثنين اثنين مقرونين في الوثاق ، يمرون صفا وراء صف . . مشهد مذل دال كذلك على قدرة القهار . ويضاف إلى قرنهم في الوثاق أن سرابيلهم وثيابهم من مادة شديدة القابلية للالتهاب ، وهي في ذات الوقت قذرة سوداء . . « من قطران » . . ففيها الذل والتحقير ، وفيها الإيحاء بشدة الاشتعال بمجرد قربهم من النار ! « وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ » . . فهو مشهد العذاب المذل المتلظي المشتعل جزاء المكر والاستكبار . . « لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ . إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ » . . ولقد كسبوا المكر والظلم فجزاؤهم القهر والذل . إن اللّه سريع الحساب . فالسرعة في الحساب هنا تناسب المكر والتدبير الذي كانوا يحسبونه يحميهم ويخفيهم ، ويعوق انتصار أحد عليهم . فها هم أولاء يجزون ما كسبوا ذلا وألما وسرعة حساب ! وفي النهاية تختم السورة بمثل ما بدأت ، ولكن في إعلان عام جهير الصوت ، عالي الصدى ، لتبليغ البشرية كلها في كل مكان :