سيد قطب
2109
في ظلال القرآن
الذاكر الشاكر ، ليرد الجاحدين إلى الاعتراف ، ويرد الكافرين إلى الشكر ، ويرد الغافلين إلى الذكر ، ويرد الشاردين من أبنائه إلى سيرة أبيهم لعلهم يقتدون بها ويهتدون . ويبدأ إبراهيم دعاءه : « رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً » . . فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان ، عظيمة الوقع في حسه ، متعلقة بحرصه على نفسه . والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد ، الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها وقد استجاب اللّه دعاء أبيهم إبراهيم فجعل البلد آمنا ، ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم ، فكفروا النعمة ، وجعلوا للّه أندادا ، وصدوا عن سبيل اللّه . ولقد كانت دعوة أبيهم التالية لدعوة الأمن : « وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ » . . ويبدو في دعوة إبراهيم الثانية تسليم إبراهيم المطلق إلى ربه ، والتجاؤه إليه في أخص مشاعر قلبه . فهو يدعوه أن يجنبه عبادة الأصنام هو وبنيه ، يستعينه بهذا الدعاء ويستهديه . ثم ليبرز أن هذه نعمة أخرى من نعم اللّه . وإنها لنعمة أن يخرج القلب من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان باللّه وتوحيده . فيخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود ، إلى المعرفة والطمأنينة والاستقرار والهدوء . ويخرج من الدينونة المذلة لشتى الأرباب ، إلى الدينونة الكريمة العزيزة لرب العباد . . إنها لنعمة يدعو إبراهيم ربه ليحفظها عليه ، فيجنبه هو وبنيه أن يعبد الأصنام . يدعو إبراهيم دعوته هذه لما شهده وعلمه من كثرة من ضلوا بهذه الأصنام من الناس في جيله وفي الأجيال التي قبله ؛ ومن فتنوا بها ومن افتتنوا وهم خلق كثير : « رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ » . . ثم يتابع الدعاء . . فأما من تبع طريقي فلم يفتتن بها فهو مني ، ينتسب إلي ويلتقي معي في الآصرة الكبرى ، آصرة العقيدة : « فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي » . . وأما من عصاني منهم فأفوض أمره إليك : « وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . . وفي هذا تبدو سمة إبراهيم العطوف الرحيم الأواه الحليم ؛ فهو لا يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله ويحيد عن طريقه ، ولا يستعجل لهم العذاب ؛ بل لا يذكر العذاب ، إنما يكلهم إلى غفران اللّه ورحمته . ويلقي على الجو ظلال المغفرة والرحمة ؛ وتحت هذا الظل يتوارى ظل المعصية ؛ فلا يكشف عنه إبراهيم الرحيم الحليم ! ويمضي إبراهيم في دعائه يذكر إسكانه لبعض أبنائه بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور للبيت المحرم ، ويذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا القفر الجدب ليقوموا بها : « رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ » . . لما ذا ؟ « رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ » . .