سيد قطب

2105

في ظلال القرآن

ثم يستطرد إلى بيان نعم اللّه على البشر في أضخم المشاهد الكونية البارزة . ويقدم نموذجا لشكر النعمة : إبراهيم الخليل - بعد أن يأمر الذين آمنوا بلون من ألوان الشكر هو الصلاة والبر بعباد اللّه - قبل أن يأتي يوم لا تربو فيه الأموال . يوم لا بيع فيه ولا خلال . فأما الذين كفروا فليسوا بمتروكين عن غفلة ولا إهمال ، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . وأما وعد اللّه لرسله فهو واقع مهما يمكر الذين كفروا وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال . . وهكذا يتماسك الشوط الثاني مع الشوط الأول ويتناسق . « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها ، وَبِئْسَ الْقَرارُ ؟ ! « وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ . قُلْ : تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ » . . ألم تر إلى هذا الحال العجيب . حال الذين وهبوا نعمة اللّه ، ممثلة في رسول وفي دعوة إلى الإيمان ، وفي قيادة إلى المغفرة ، وإلى مصير في الجنة . . فإذا هم يتركون هذا كله ويأخذون بدله « كفرا » ! أولئك هم السادة القادة من كبراء قومك - مثلهم مثل السادة القادة من كل قوم - وبهذا الاستبدال العجيب قادوا قومهم إلى جهنم ، وأنزلوهم بها - كما شاهدنا منذ قليل في الأقوام من قبل ! - وبئس ما أحلوهم من مستقر ، وبئس القرار فيها من قرار ! ألم تر إلى تصرف القوم العجيب ، بعد ما رأوا ما حل بمن قبلهم - وقد عرضه القرآن عليهم عرض رؤية في مشاهد تلك القصة التي مضى بها الشوط الأول من السورة . عرضه كأنه وقع فعلا . وإنه لواقع . وما يزيد النسق القرآني على أن يعرض ما تقرر وقوعه في صورة الواقع المشهود . لقد استبدلوا بنعمة الرسول ودعوته كفرا . وكانت دعوته إلى التوحيد ، فتركوها : « وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ » . . جعلوا للّه أقرانا مماثلين يعبدونهم كعبادته ، ويدينون لسلطانهم كما يدينون لسلطانه ، ويعترفون لهم بما هو من خصائص ألوهيته سبحانه ! جعلوا للّه هذه الأنداد ليضلّوا الناس عن سبيل اللّه الواحد الذي لا يتعدد ولا تتفرق به السبل . والنص يشير إلى أن كبراء القوم عمدوا عمدا إلى تضليل قومهم عن سبيل اللّه ، باتخاذ هذه الأنداد من دون اللّه . فعقيدة التوحيد خطر على سلطان الطواغيت ومصالحهم في كل زمان . لا في زمن الجاهلية الأولى ، ولكن في زمن كل جاهلية ينحرف الناس فيها عن التوحيد المطلق ، في أية صورة من صور الانحراف ، فيسلمون قيادهم إلى كبرائهم ، وينزلون لهم عن حرياتهم وشخصياتهم ، ويخضعون لأهوائهم ونزواتهم ، ويتلقون شريعتهم من أهواء هؤلاء الكبراء لا من وحي اللّه . . عندئذ تصبح الدعوة إلى توحيد اللّه خطرا على الكبراء يتقونه بكل وسيلة . ومنها كان اتخاذ الآلهة أندادا للّه في زمن الجاهلية الأولى . ومنها اليوم اتخاذ شرائع من عمل البشر ، تأمر بما لم يأمر اللّه به ، وتنهى عما لم ينه عنه اللّه . فإذا واضعوها في مكان الند للّه في النفوس المضللة عن سبيل اللّه ، وفي واقع الحياة ! فيا أيها الرسول « قل » للقوم : « تمتعوا » . . تمتعوا قليلا في هذه الحياة إلى الأجل الذي قدره اللّه . والعاقبة معروفة : « فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ » . .